الخرطوم : حفية نورالدائم
بعد شهور طويلة من الصمت والخراب، عادت جزيرة توتي لتكتب فصلاً جديداً من الصمود، حيث تحوّلت المبادرات الشعبية إلى عنوانٍ بارز لإعادة الحياة والاستقرار، في تجربة مجتمعية لافتة تعكس قدرة السودانيين على النهوض رغم قسوة الحرب.
وأمس الثلاثاء، زار وفد من الصحفيين جزيرة توتي بمحلية الخرطوم، للوقوف ميدانياً على الإنجازات التي تحققت بجهود أهلية خالصة، قادها أبناء الجزيرة في الداخل والخارج، وأسهمت في إعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الأجواء لعودة السكان إلى ديارهم.
من النزوح إلى العودة
وخلال اللقاء، أوضح الأستاذ عمر دليل، منسق عدد من المشاريع الخدمية بالجزيرة، أن معاناة مواطني توتي خلال الحرب كانت بالغة القسوة، خاصة مع النزوح القسري الذي طال آلاف الأسر. وأشار إلى أن أكثر من 1200 أسرة نزحت إلى مدينة أم درمان، وأقامت في ثلاث دور إيواء، فيما توزعت أسر أخرى داخل وخارج السودان.
وأضاف أن أبناء توتي اعتمدوا على ثقافة النفير والمبادرات الشعبية لتأمين احتياجات النازحين، حيث تكفّل المغتربون بجزء كبير من تكاليف المعيشة، إلى جانب دعم حكومي ومساندة من منظمات خيرية، إلى أن أُغلقت دور الإيواء وعادت الأسر إلى الجزيرة في أبريل من العام الماضي عبر بصات وفّرتها المؤسسة التعاونية الوطنية، إضافة إلى ثماني رحلات عودة من جمهورية مصر بواقع 18 بصاً.
معركة البيئة والخدمات
وأكد عمر دليل أن العودة لم تكن سهلة، إذ وجد الأهالي الجزيرة في وضع بيئي بالغ السوء، ما استدعى إطلاق حملات واسعة لإصحاح البيئة، شملت إزالة الحشائش والنباتات الضارة، واستمرت حتى داخل المنازل التي لم يعد إليها أصحابها بعد، بالتنسيق مع اللجنة الأمنية.
وأشار إلى أن المعينات والدعم جاءت عبر المبادرات الشعبية، مثمناً دور مبادرة «زهرات توتي» بدولة الإمارات، إلى جانب مبادرات «توتي أولاً وأخيراً» و«توتي العطاء والخير» التي دعمت الأنشطة الرياضية، وصيانة المدارس، وتنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية ببعض المؤسسات التعليمية، فضلاً عن توفير المعينات الدراسية عبر لجان التعليم.
أرقام تعكس حجم التحدي
وكشف عمر دليل عن عودة ما يقارب 10 آلاف أسرة من جملة 40 ألف أسرة، داعياً بقية الأسر إلى العودة والمشاركة في إعادة البناء. كما أوضح أن المزارعين شكّلوا جمعية تولت نظافة الأراضي والغرس، وبلغت مراحل الحصاد لمحاصيل متنوعة من البقوليات والخضروات والفواكه.
وأشار إلى أن كل منازل الجزيرة تعرضت لأضرار متفاوتة، تراوحت بين أضرار جزئية ودمار شامل، نتيجة تحويل المنطقة إلى ساحة قتال، إضافة إلى حصر أكثر من 60 شهيداً، بينهم من استشهد داخل الجزيرة أو تحت التعذيب أو في معتقلات المليشيا، مع تسجيل 12 معتقلاً ومفقوداً، من بينهم امرأة واحدة.
الأمن أولاً… ثم الماء
من جانبه، قال الأستاذ عمر كباشي عمر، رئيس مبادرة «من أجل توتي» ومنسق مشروع الطاقة الشمسية بمحطة مياه توتي، إن أولى خطوات العودة كانت تأمين الجزيرة، عبر خطة حماية شاملة شملت الارتكاز عند مدخل كبري توتي، مؤكداً أنه لم تُسجل أي حادثة نهب حتى الآن.
وأوضح أن الخطوة الثانية تمثلت في تأهيل مركز صحي توتي، تلاها العمل على إعادة تشغيل محطة المياه. وبيّن أن والي الخرطوم وفّر مولداً لتشغيل المحطة، غير أن ارتفاع تكلفة الوقود دفعهم للتفكير في بديل مستدام.
وأضاف أن محطة مياه توتي تعمل الآن بالطاقة الشمسية عبر منظومة تضم 180 لوحاً بقدرة 710 واط للوح الواحد، وتنتج طاقة إجمالية تبلغ 120 كيلوواط، وتعد من أكبر المنظومات الشمسية في السودان، وتغطي خمسة أحياء بالجزيرة، وتعمل بمعدل 8 ساعات يومياً، بتكلفة بلغت نحو 40 ألف دولار، بتمويل شعبي كامل من أبناء توتي بالداخل والخارج.
عودة التعليم والتكافل الاجتماعي
وأشار عمر كباشي إلى نجاح الجزيرة في إقامة امتحانات الشهادة الابتدائية والمتوسطة في زمن وجيز، إلى جانب تشغيل برنامج التكايا الخيرية، الذي بدأ بعشر تكايا ويعمل حالياً بخمس، لتخفيف أعباء المعيشة عن السكان.
وفي ختام الزيارة، عبّر القائمون على المبادرات عن شكرهم للوفد الصحفي، مؤكدين أن ما تحقق في توتي هو نموذج حيّ لقوة المبادرات الشعبية، ورسالة أمل بأن السودان قادر على التعافي وبناء مستقبله بسواعد أبنائه.
