تباين في الرؤى حول توصيف مكمن الأزمة في ومواثيق نيروبي والقاهرة .
الباحث المنقب في البيان الجماهيري للحزب الشيوعي السوداني والصادر بتاريخ ٩/ ١/ ٢٠٢٦م، حول مواثيق نيروبي والقاهرة يجد أن نقد الحزب الشيوعي للمواثيق المذكورة (إعلان نيروبي وميثاق القاهرة) قد انبنى على استدعاء تجاربه السابقة مع أطراف تلك القوى في ميثاق قوى الحرية والتغيير ، والأخطاء التي صحبت تنفيذ ميثاق قوى الحرية والتغيير المذكور المُوقع في ٣/ ١/ ٢٠١٩م ، وذلك بحسبما ورد في بيان الحزب الشيوعي المذكور نفسه، وقد ورد في ذلك البيان الآتي ( من المهم أن نستند على ماراكمته قوى الثورة من تجاربَ والتقييم الناقد لها حتى يتم الاستفادة من دروسها وضمان نجاح الثورة في المستقبل وتحقيق أهدافها ‘فضلا عن مواثيق الثورة مثل ميثاق قوى الحرية والتغيير( يناير ٢٠١٩) الذي مثل الحد الأدنى لأهداف قوي ثورة ديسمبر. فقد تم التوقيع على ميثاق قوى الحرية والتغيير في ٣ يناير ٢٠١٩ الذي أشار إلى الآتي :
– تشكيل حكومة انتقالية من كفاءات وطنية بتوافق جميع أطياف الشعب السوداني تحكم لأربع سنوات. وتكون مهامها:
- وقف الحرب بمخاطبة جذور المشكلة.
-ترتيبات أمنية لاتفاق سلام شامل وعادل.
– قيام المؤتمر الدستوري.
– المحاكمات العادلة للجناة.
– وقف التدهور الاقتصادي وتحسين حياة المواطنين المعيشية، ودعم الصحة والتعليم والإسكان وحماية البيئة.
– استقلال القضاء وحكم القانون.
– حل وتسريح الدفاع الشعبي ومليشيات الدعم السريع وجميع المليشيات التي أنشأها النظام البائد، ونزع أسلحتها، وقومية القوات النظامية كحامية للوطن وسيادته.
– انتهاج سياسة خارجية متوازنة.
– إلغاء قانون الأمن 2010 وكل القوانين المقيدة للحريات وأهمها قانون النقابات 2010 ( قانون المنشأة)، واستبداله بقانون ديمقراطي يكرّس ديمقراطية واستقلالية الحركة النقابية.
-إعادة هيكلة الخدمة المدنية والعسكرية ( النظامية) بصورة تعكس قوميتها وعدالة توزيع الفرص دون المساس بشروط الأهلية والكفاءة . – تحسين علاقات السودان الخارجية وبنائها على الاستقلالية والبعد عن المحاور.
لقد كان من أسباب اجهاض الثورة التوقيع على الوثيقة الدستورية التى قامت علي الشراكة مع العسكر والدعم السريع والمليشيات. حتى انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ الذي قاد للحرب الجارية حاليا بهدف تصفية الثورة ونهب ثروات وأراضي البلاد وإيجاد موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر من المحاور الاقليمية والدولية التي تسلح طرفي الحرب.
نلاحظ التراجع عن ميثاق قوي الحرية والتغيير يناير ٢٠١٩ في مواثيق نيروبي والقاهرة كما في الآتي: - وثيقة نيروبي تخاطب الخارج ‘ ولا تعطي الداخل الوزن الحاسم في التغيير كما في انطلاقها من الرباعية رغم أهميتها علما بأن العامل الخارجي مساعد’ لكن الداخل هو الحاسم.
- الإسلاميون والدعم السريع كلاهما إرهابيين ارتكبوا في حق السودانيين انتهاكات وجرائم بشعة غير مسبوقة ‘ شعب السودان أسقط في ثورة ديسمبر الإسلامويين مع صنيعتهم الدعم السريع ‘ ولا يحتاج للخارج لتصنيفهم إرهابيين. وقادر على اسقاطهم مرة أخرى مع التفكيك الناجز للتمكين واستعادة أموال الشعب المنهوبة’ ووقف الحرب واستعادة مسار الثورة وترسيخ الحكم المدني الديمقراطي.
- لم يشر ميثاق القاهرة بوضوح إلى تفكيك التمكين’ وخروج العسكر والدعم السريع والمليشيات من السياسة والاقتصاد’ ووقف الحرب واستعادة مسار الثورة’ والترتيبات الأمنية لحل كل المليشيات وجيوش الحركات وقيام الجيش القومي المهني الموحد الذي يعمل تحت إشراف الحكومة المدنية’ ودعم التعليم والصحة والدواء والماء والكهرباء والوقود وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية.. وقيام المؤتمر الدستوري.
مما يقود للتراجع عن ثورة ديسمبر والتسوية التي تعيد إنتاج الأزمة والحرب مرة أخرى. - الوثائق الثلاثة لجات الى استخدام تعابير مرسلة دون تحديد وضبط المفاهيم والمقولات الواردة فيها مما يغمض ويشوش ويلتبس على المتلقى المعانى وماهيتها مما يجعل التعابير قابلة للتاويل .
- لم يرد فى وثيقة ميثاق القاهرة اى تحليل او ادنى اشارة لاسباب اخفاق الفترة الانتقالية طوال عامين ونيف، قبل الانقلاب، فى تطبيق اهداف الثورة وارساء قواعد التحول الديمقراطى وازالة تمكين النظام المدحور فى الاجهزة العامة وفى الاقتصاد وتفكيك الدولة العميقة ..الخ مما جعل الميثاق ينطلق من فراغ سياسى اجتماعى لا يمت واقعا لثورة ديسمبر ومواثيقها ولا للاعلان السياسى الموقعان من قوى الثورة فى صدر الثورة فى 3 يناير2019 كان الميثاق يدعو للتراجع عنهما والبداية من جديد انطلاقا من وقف الحرب
- اورد الميثاق فى الالتزام رقم4_[ الالتزام الكامل قولا وفعلا بوحدة الصوت المدنى كخطوة لا تقبل التاجيل لوحدة المركز المدنى من احل ايقاف الحرب واعادة بناء الدولة ومؤسساتها] هكذا دعا الميثاق لوحدة الصوت متجاوزا ودون تحديد للخلافات التى طرات وكنهها بين القوى المدنية رغم توحدها قبل الثورة واثنائها والتوافق والتوقيع على الميثاق والاعلان السياسى علاوة على عقد مؤتمر اقتصادى خرج بتوصيات لايقاف التدهور وتحقيق اصلاح اقتصادى مستمد من ميثاق الثورة؛ ومفارقة لنهج الليبرالية الجديدة .
- ورد فى الالتزام رقم 6_[ دعم اى جهود لوقف الحرب، وحق السودانيين/ات فى استعادة المؤسسات الدستورية ، وعلى راسها الالية الرباعية ..] يبدو ان هذا الالتزام هو بيت القصيد من الوثائق الثلاثة. ميثاق القاهرة لم يضع فى اعتباره ولم ينبه الى الصراع البين، الدائر بين اطراف ومحاور دول الرباعية على مد النفوذ وعلى موارد وثروات السودان وتموضعه الجيوسياسى تجاريا وعسكرياعلى شاطئ البحر الاحمر على موقع ساخن تتنافس فيه قوى كبري بغية الهيمنة على المنطقة وعلى ثروات افريقيا مما جعل ذات اطراف الرباعية مواصلة كل منهم تمويل حليفه من طرفى الحرب، بالعتاد والمساعدات اللوجستية. الخ رغم طرحهم المشترك للمبادرة علما ان الميثاق فى كل حناياه لم يلتزم باستنهاض حركة الجماهير للاستناد تحسبا ولفرض ارادته على الطامعين الخارجيين واعتماد الميثاق كليا على بيان وخارطة طريق دول الرباعية حلا لازمة السودان العامة) .
وبتناول المذكور أعلاه في رؤية الحزب الشيوعي ، فإن الحزب الشيوعي في نقده لإعلان نيروبي وميثاق القاهرة يرتكز على ميثاق الحرية والتغيير الصادر بتاريخ ٣/ ١/ ٢٠١٩م ، ويعتبره مرجعية في تقييم موقفه من قوى إعلان نيروبي وميثاق القاهرة ، ويعدد عدم التزامها بما تم التواثق عليه في ميثاق الحرية والتغيير . إن ميثاق قوى الحرية والتغيير نفسه قد أفضى للوثيقة الدستورية المعيبة والشراكة ما بين المكونين المدني والعسكري ، لقد سعت هيئة محامي دارفور بمجرد نجاح ثورة ديسمبر المجيدة ٢٠١٨م في عزل نظام الطاغية البشير للقوى السياسية، وخاطبتها كتابة، بضرورة العمل من أجل استعادة الوضع الدستوري الصحيح للبلاد ، والكاشف لبطلان كل الأوضاع التي نشأت في ظل فترة الانقطاع الدستوري الذي حدث منذ حدوث إنقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩م وليس التواثق لإنتاج وثيقة جديدة ، بمثلما حدث عقب الثورات السابقة (اكتوبر ١٩٦٤/ ابريل ١٩٨٥م)، فالوثائق اصلا موجودة، تتمثل في قواعد التأسيس الخمس المجازة ديمقراطيا في عام ١٩٥٥م والتي بموجبها نشأت الدولة نفسها، واكتسبت شخصيتها الدولية القطرية المحمية بالقانون الدولي بمرجعية اتفاقية وستفالي ١٦٤٨م المنشئة للدولة الحديثة ، ومن دون إتخاذ قواعد التأسيس المنشئة للدولة السودانية والمحمية بالقانون الدولي مرجعية ، فلن تصلح أي محاولات لإنشأ منصة تأسيسية جديدة لدولة صارت موجودة بل ستظل المشاكل والمنازعات قائمة ومستمرة تتوارثها الأجيال المتعاقبة. وإن كل المطالب المرفوعة مكفولة بموجب قواعد التأسيس المذكورة ، من حكم فيدرالي ، وحكم ديمقراطي مدني (مجلس سيادة مدني يتكون من خمسة اعضاء وحكومة مدنية) ، وهي عبارة عن هياكل حكم مؤقتة تقوم بمباشرة السلطات في الدولة لحين قيام إنتخابات عامة في كل اقاليم السودان لإنتخاب جمعية تأسيسية منوطة بها وضع الدستور الدائم للبلاد . إن المذكور في بيان الحزب الشيوعي بالتفصيل أعلاه ، قد تم إقراره أصلا منذ عام ١٩٥٥م ، وبموجب ذلك الإقرار صارت هنالك دولة إسمها السودان . لقد قامت هيئة محامي دارفور بعد الإطاحة بنظام إنقلاب الإنقاذ ،، بتسليم الرؤية الكاشفة للأوضاع الدستورية (وهي ليست رؤيتها). بل هي قواعد تأسيس الدولة نفسها، وقد قدمتها لكل القوى السياسية المؤثرة وقتذاك ممثلة في قوى الإجماع الوطني التي تسلمتها بدار الحزب الشيوعي ، وكلفت القوى المذكورة لجنة لمناقشتها وضمت اللجنة السادة محمد عصمت وكمال بولاد ود. جمال إدريس الكنين والأستاذة إنتصار العقلي، وانعقد الإجتماع المذكور بمنزل الأستاذة انتصار العقلي بالخرطوم ٣ ، كما قدمت الهيئة تلك الرؤية لقوى نداء السودان وتسلمها نيابة عنها الإمام الصادق المهدي بمنزله بالملازمين بامدرمان والذي أكد اتفاقه مع الرؤية ، وقد ذكر أنه سيعرضها لقوى نداء السودان . ثم سلمتها الهيئة لتجمع المهنيين السودانيين في إجتماع رسمي وانعقد الإجتماع المذكور بمقر تجمع المهنيين السودانيين ببري وقد تسلمها منها مندوب تجمع المهنيين السودانيين وقتذاك طه عثمان إسحق بحضور القيادي بتجمع المهنيين محمد ربيع وقد تمت مناقشة الرؤية المستلمة معهما . وقد أقر الأستاذ طه إسحق في ورشة تقييم الفترة الانتقالية التي نظمتها صحيفة الديمقراطي بالتعاون مع قوى الحرية والتغيير، والمنعقدة بدار المحامين السودانيين في يوليو ٢٠٢٢م ، بان الجهة الوحيدة التي تقدمت برؤية مكتوبة مغايرة كانت هي هيئة محامي دارفور ، وكان ذلك أثناء استعراضه للمذكرات والوثائق التى تسلمها تجمع المهنيين السودانيين خلال الورشة المذكورة . إن قوى الحرية والتغيير لو كانت قد اطلعت مجتمعة ، أو كانت منفردة ، على المذكرة الكاشفة للوضع الدستوري الصحيح (قواعد التأسيس) ، لما دخلت في شراكة سياسية مع عناصر اللجنة الأمنية لنظام البشير ، ولما تم انتاج الوثيقة الدستورية المعيبة ، أما ماورد ببيان الحزب الشيوعي بخصوص الإتفاق في ميثاق قوى الحرية والتغيير المذكور على إدراج وظيفة للدولة للإضطلاع بمهام الصحة والتعليم والإسكان وحماية البيئة ونحو ذلك مما ذكر ، فهي مهام أنشأت لها الدولة بموجب المواد من ٢٣ إلى ٤٠ من دستور التأسيس المؤقت لسنة ١٩٥٦م، مؤسسة دستورية (مجلس وزراء مدني) تضم في عضويتها الوزارات المتخصصة بشؤون الداخلية والدفاع والصحة وحماية البيئة والإسكان الخ ولا حاجة لتكرار إنشائها عقب كل ثورة لأنها مؤسسات موجودة والمطلوب فقط شغلها بأعضاء حكومة شرعية. كذلك فإن الدفاع الشعبي ومليشيات الدعم السريع وجميع المليشيات التي أنشأها نظام جريمة إنقلاب الإنقاذ في ظل فترة الإنقطاع الدستوري ، كانت الإستعادة الإجرائية للدستور الشرعي الذي عطله نظام إنقلاب الإنقاذ في ٣٠ يونيو ١٩٨٩م، تكفي لتُكشف عن بطلان كافة التدابير التي اتخذت في ظل فترة الإنقلاب والإنقطاع ، لتظهر أن تلك المليشيات وسائر الحركات المسلحة بلا غطاء قانوني يسند وجودها كمؤسسات شرعية بدولة السودان ، أما بشأن القوانين (إلغاء قانون الأمن ،وقانون النقابات لسنة ٢٠١٠م الخ ) ،فتلقائيا تصبح تلك القوانين باطلة من منشئها ومنذ تواريخ صدورها ، كما وما تترتب عليها عبارة عن تدابير صدرت بواسطة نظام الإنقلاب المذكور ،ولا تقوم عليها حجة قانونية ، ليتم بحث نتائجها ومعالجة آثارها بصورة تحفظ الحقوق العامة والخاصة ، في المقال القادم سأستعرض رؤية المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات لمواثيق نيروبي والقاهرة .
