إن إيمان الشعب بانتصار دولته وجيشه من الثوابت وظل حلم العودة معقود به ولذلك كان يردد ولحولين كاملين..
بكرة الهم يفوتنا
ونرجع لي بيوتنا
بحري ام درمان
بكرة يقولو عودو
وعيدنا تفوح ورودو
والخرطوم امان..
ومن المفارقات أن الخرطوم كانت تصنف ضمن أكثر عواصم العالم أمنا إلى أن غدر بها المتمردون وأحالوها كما هدد كبيرهم دقلو من قبل إلى مرتع للقطط والكلاب الضالة والأشلاء المتناثرة والبيوت الخربة والتي نأمل ألا تكون كتلك القرية التي وصفها ربنا ببطرت معيشتها مشيراً إلى مساكنهم التي لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً..فلنجعل من العودة فرصة للمراجعات وتصحيح المسار.
لكن الخرطوم كعهدها لم تستسلم للمخطط الإجرامي وما صمود المدرعات وبيت الضيافة ووادي سيدنا وحكومة الولاية بقيادة الإداري الماهر أحمد عثمان والزوايا والتكايا إلا شواهد.ومن مشاهدات مابعد الحرب أنها أعادت الخرطوم إلى سابق عهدها الغابي إذ اعشوشبت الأرض وتغطت بالحزام الشجري إذ معلوم أن العاصمة القومية تمددت وزحف العمران على حساب الأراضي عالية الجودة والجدوى الاقتصادية إن في الزراعة المختلطة أو في صناعة السياحة وهو الأمر الذي ينبغي أن يوضع في الاعتبار عند التخطيط لعاصمة إدارية جديدة وفي الخارطة الموجهة ومخططات إقامة المستعمرات البشرية والمناطق الصناعية وغيرها.
لقد كان الشعب ولايزال يثق في مقدرات قواته المسلحة التي كانت عند حسن ظنهم فبعد أقل من عامين من اندلاع التمرد وتدنيسهم لعاصمة البلاد استطاعت الدولة أن تتوج حرب الكرامة بانتصارات متتالية حررت الأرض ودحرت المليشيا بدءاً من سنار والجزيرة والخرطوم التي هجروا أهلها واحتلوا منازلهم وتخندقوا في مرافقها الخاصة والعامة ملاحم بطولية وتخطيط وتنفيذ محكم لم يستوعبوه فطفقوا يتحدثون عن فرية الأسلحة الكيميائية..لكنها ملاحم ستدرس في مناهج واستراتيجيات حرب المدن.
وبعيد التحرير انطلق مشروع العودة الطوعية وتهيئة الأوضاع لعودة السلطات الاتحادية حسبما خطط لها لجنة التهيئة التي أسندت لرجل الدولة القوي الفريق إبراهيم جابر فكان أن عادت الأجهزة الأمنية،وأخرج المسلحون مع انتشار واسع لقوات الشرطة،وتمت إزالة الألغام،والجثامين،وإعادة خدمات المياه والكهرباء والمرافق الصحية وصيانة الطرق وتشغيل خطوط المواصلات والمطار وإزالة مخلفات الحرب وتجميع العربات والأجهزة المنزلية المنهوبة والشروع في ردها لأصحابها كما باشرت المؤسسات التعليمة عملها وامتدت يد العناية إلى ملاعب الكرة كأستاد الهلال وتمت إعادة تأهيل مسرح خضر بشير ثم توج ذلك بعودة حكومة الأمل لتباشر مهامها من الخرطوم تطبيعا للحياة.
بما أن التمرد قد بدأ من الخرطوم فإن العودة إليها إعلان رسمي بدحره واستئناف عمل الدولة من مقرها الرسمي كعاصمة منذ العام 1826م أي قبل قرنين من الزمان..نحي الخرطوم كما حياها الراحل المقيم الشريف الهندي في أوبريته الرائع..
التحية للخرطوم وللشريف الهندي الذي قال عنها في أوبريته الرائع..
حبابك عشرة يا بت مقرن النيلين ..
حبابك ياأم عجن، بعد العديل والزين ..
حبابك يا المحكرة في المشاعر، والفؤاد، والعين ..
حبابك يا المغسلة، بي طهور مويتين ..
حباب أهلك بلاعبوا الموج ، مع البردين
