جاء القرار الأمريكي بتصنيف أو حظر تنظيمات الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان في إطار مقاربة أمنية–سياسية أوسع، تستهدف تحجيم الحركات العابرة للحدود التي تمارس العمل السياسي بمرجعيات دينية، وترتبط –بدرجات متفاوتة– بخطابات الإقصاء والعنف أو بتقويض الدولة الوطنية.
ورغم أن القرار يبدو موجّهًا لثلاث دول بعينها، إلا أن ارتداداته الفكرية والسياسية والاقتصادية تمتد بالضرورة إلى السودان، الذي شكّل، لعقود، أحد أكثر النماذج فشلاً لتجربة الإسلام السياسي في الحكم، ليس فقط على مستوى السياسة، بل في إدارة الاقتصاد وبناء مؤسسات الدولة.
خلال الأربعين عامًا الماضية، لم تكن الحركة الإسلامية السودانية مجرد فاعل سياسي ضمن تعددية حزبية، بل تحوّلت –خصوصًا بعد انقلاب عام 1989– إلى نظام شمولي كامل صادر الدولة والمجتمع معًا، واحتكر أدوات العنف، ووظّف الدين لتبرير الاستبداد، وحوّل السودان إلى ساحة مفتوحة للتطرّف والعزلة الدولية.
ورغم مشاركتها في الديمقراطية الثالثة، فإنها لم تتردّد في الانقلاب على النظام الديمقراطي فور شعورها بأن موازين السلطة قد لا تخدم مشروعها، مهدرةً بذلك فرصة تاريخية لم تُتح لأي حزب سوداني آخر منذ الاستقلال.
مارست الحركة الإسلامية ابتزازًا منهجيًا للقوى السياسية السودانية، عبر تصوير خصومها كتنظيمات علمانية معادية للإسلام، وربط القوانين الإسلامية بالشرعية السياسية، وتفخيخ الوعي الشعبي بشعارات فضفاضة من قبيل «الإسلام هو الحل»، دون تقديم أي إجابة حقيقية عن مضمون هذا “الحل”، أو أدواته الاقتصادية والاجتماعية، أو علاقته بإدارة التنوع، أو العدالة الاجتماعية، أو التنمية المتوازنة في بلد متعدد الأعراق والثقافات كالسودان.
هذا الابتزاز الديني ترك أثرًا مباشرًا على الأحزاب ذات القواعد الاجتماعية الإسلامية، وفي مقدمتها حزبا الأمة والاتحادي الديمقراطي، اللذان وجدا نفسيهما مضطرين لمجاراة الخطاب الإسلامي السائد، والدخول في مزايدات فكرية لا تنسجم مع طرحهما الوسطي التاريخي، فتحوّلت المنافسة السياسية من معركة برامج وسياسات إلى معركة هوية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل يفتح تحجيم دعاة المشروع الإسلامي المجال أمام هذه الأحزاب لتقديم رؤى أكثر مدنية ووضوحًا؟
الإجابة إيجابية من حيث المبدأ، لكنها مشروطة بقدرة هذه القوى على التحرر من أسر الخطاب الدفاعي، وبناء مشروع وطني قائم على المواطنة لا على المزايدة الدينية.
تحجيم الإسلام السياسي، إن تم سياسيًا وفكريًا لا أمنيًا فقط، يمكن أن يحرر الخطاب العام من القداسة الزائفة، ويعيد تعريف الدين بوصفه منظومة قيم أخلاقية وروحية لا أداة حكم، ويفتح المجال لنقاش مدني حقيقي حول قضايا الاقتصاد والعدالة والتنمية.
غير أن الخطر يكمن في الحظر الأمني المجرّد، الذي قد يدفع الإسلاميين إلى العمل السري، ويعيد إنتاج خطاب “الضحية”، ويحوّل الصراع إلى مواجهة صفرية دموية، وهو سيناريو خبرته المنطقة مرارًا.
لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي، وهو الأكثر حساسية وخطورة. فقوة الإسلاميين في السودان لم تنبع فقط من خطابهم الأيديولوجي، بل من سيطرتهم العميقة على مفاصل الاقتصاد، خاصة عبر ما يُعرف بالمؤسسات المالية الإسلامية من بنوك وشركات تأمين واستثمار.
هذه المؤسسات لم تكن، في كثير من الأحيان، كيانات مالية محايدة، بل تحولت إلى أدوات سياسية لتمويل التنظيم، وتدوير الأموال داخل شبكات الولاء، وشراء النفوذ، وإقصاء الخصوم من السوق، واحتكار فرص التمويل والتجارة.
وأي تضييق أو حظر دولي سيترك آثارًا مباشرة على هذه الشبكات، سواء عبر العلاقات المصرفية الخارجية، أو التحويلات المالية، أو متطلبات الامتثال لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما أن إعادة فتح ملف ملكية هذه المؤسسات ومصادر أموالها ستكشف إلى أي مدى استُخدم “الاقتصاد الإسلامي” كغطاء أيديولوجي لاقتصاد ريعي طفيلي، لا علاقة له لا بالإسلام ولا بالعدالة الاجتماعية.
لم تكتفِ الحركة الإسلامية باحتكار السلطة السياسية والاقتصادية، بل ذهبت –في سبيل البقاء في الحكم– إلى تفكيك العقيدة المهنية للمؤسسة العسكرية نفسها، عبر إنشاء مليشيات موازية ذات طابع أيديولوجي، تُذكّر تاريخيًا بتجربة الميليشيات البراونية (Brownshirts) في ألمانيا النازية، التي وُجدت لحماية الحزب لا الدولة.
وقد مُنح أفراد هذه التشكيلات رتبًا عسكرية، وأُتيح لهم التدخل في القرار العسكري، في تقويض مباشر لمبدأ حياد الجيش واحتكار الدولة المشروع للعنف.
ومن ثمّ، فإن أي تصنيف أو حظر أمريكي لا ينعكس على المجال السياسي فقط، بل يطال هذه البنية المسلحة عبر تجفيف مصادر تمويلها، وتجريم دعمها الخارجي، وكشف شبكاتها الاقتصادية والأمنية، واستهداف نموذج “الحزب–المليشيا” الذي أسهم في تفكيك الدولة وتهيئة بيئة الحرب الحالية.
القوى التي تنادي بعلمانية الدولة تتحمل بدورها مسؤولية كبيرة، إذ عانت من ضعف في الشرح والتبسيط، وسمحت للإسلاميين بشيطنة المفهوم وربطه بالإلحاد والتحلل الأخلاقي.
في حين أن العلمانية، في جوهرها، تعني نزع القداسة عن السلطة، وجعل السياسة ممارسة بشرية تقبل الخطأ والصواب، دون إقصاء الدين من حياة المجتمع أو الانتقاص من مكانته الروحية، بل حماية التعدد الديني ومنع احتكار الحقيقة باسم السماء.
بعد أكثر من ثلاثة عقود في الحكم، فإن حصيلة الحركة الإسلامية واضحة:
انفصال الجنوب،
تفكك الدولة،
تدمير الاقتصاد،
انتشار الفقر،
خصخصة الدولة لصالح شبكات الولاء،
تدمير المشاريع القومية،
تشريد الكفاءات،
التعذيب، القتل،
الإبادة في دارفور،
وانتهاء الأمر برأس نظام مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية.
وهي حصيلة تفرض سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يمكن تجاهله:
أي إسلام هذا الذي يُبشَّر به؟
التجربة السودانية تؤكد أن الإقصاء الكامل يولّد عنفًا، وأن الإدماج بلا شروط يعيد إنتاج الاستبداد. والخيار العقلاني يكمن في:
فتح المجال السياسي وفق دستور مدني،
منع توظيف الدين في السياسة،
اعتماد المحاسبة الجنائية لكل من اجرم في حق الشعب السوداني ،
وترك الحكم لصناديق الاقتراع ضمن قواعد ديمقراطية واضحة.
القرار الأمريكي يضعف بلا شك شرعية الإسلام السياسي إقليميًا، ويمنح القوى المدنية في السودان فرصة تاريخية، لكنه لا يُغني عن مواجهة فكرية سودانية داخلية، ولا عن تفكيك البنية الاقتصادية التي مكّنت الإسلاميين من الهيمنة.
فالمعركة الحقيقية ليست مع تنظيمات بعينها، بل مع عقل سياسي فشل في بناء الدولة، واستخدم الدين لتبرير الخراب.
تحجيم الإسلام السياسي شرطٌ ضروري، لكنه غير كافٍ. وما لم تُقدّم القوى المدنية مشروعاً وطنياً مقنعاً، اقتصادياً وسياسياً وأخلاقياً، فإن الإسلاميين –بمختلف أشكالهم وأسمائهم– سيظلون قادرين على العودة، ولو من بوابات الاقتصاد قبل السياسة.
