إعلان نيروبي وميثاق القاهرة.
تجاوزت الأزمة السودانية الحالية مرحلة مخاطبة الرأي العام السوداني أوالخارجي بالإعلانات والمواثيق السياسية والورش والندوات والمؤتمرات الصحفية ، وإن كانت لها قيمة وأحدة ، فهي قد تكمن في رسائل استشعار القوى المدنية والسياسية بالمخاطر المحدقة وإبداء الرغبة بإعلان التضامن والتنسيق بمنطق أن المصائب تجمعن المصابين . فالوثائق ليست غاية في ذاتها ، بقدر ما هو مطلوب من هذه القوى المُعلنة أو المُتواثقة مُجتمعة أم مُنفردة الموقف الموحد في كل القضايا المثارة ، كما وتجارب هذه القوى المدنية والسياسية نفسها جعلت هذه الإعلانات والمواثيق العديدة بلا قيمة حقيقية ، ليس لأن هذه الإعلانات والمواثيق السياسية هي عبارة عن مبادئ عامة ولا تترتب عليها أي التزامات فعلية، ولا تعدو أن تكون أكثر من مجرد تعبير عن إظهار للنوايا والرغبات ، وغالبا ما تنتهي في الوسائط والمؤتمرات الصحفية بزخم إعلامي في فترة قصيرة وسرعان ما تخبو وتتبدد لتتجمع نفس هذه القوى بعد فترة لتنتج ما هي شبيهة لها ، ويتكرر ذلك المسلسل بلا إنقطاع ، ولا توجد في تجارب هذه القوى السياسية والمدنية أنها التزمت بما أعلنت عنه في أي إعلان سابق أو تواثقت عليه في ميثاق مضى ما يفيد أنها بحثت ووقفت على الدروس المستفادة منهما في تصحيح مسارها . إن قيمة إعلان نيروبي و كذلك ميثاق القاهرة تكمن في أن القوى السياسية والمدنية السودانية استدركت مؤخرا أهمية مغادرة مربع التصريحات ، وضرورة المطالبة من مظلة وأحدة بوقف الحرب كأولوية قصوى ، ففي القضايا العامة والشأن العام، الصوت المنفرد مهما علا يتلاشى اثر صداه ويتبدد سريعا ، ففي وحدة الصوت المدني والمطالبة بوقف الحرب محمدة غير منكورة ، كما في صالح هذه القوى العمل المباشر من أجل تعزيز جهود وقف الحرب، ومغادرة مربع الإنتظار وأن تباشر تحويل مبادئ الإعلان والميثاق إلى برامج عمل وأنشطة ومخاطبة القضايا بالأعمال الجادة لوقف الحرب ، ولكن إذا ظلت أطراف الإعلان أو الميثاق قابعة في أماكنها، فماهي قيمة هذا الإعلان أو ذاك الميثاق سوى إنتاج عدة شغل السياسي للسياسي المحترف أو لرافع شعار العمل المدني الطوعي الذي أمتهن السياسة مهنة له للتكسب به .
لقد استهل الحزب الشيوعي بيانه المذكور حول إعلان نيروبي وميثاق القاهرة ببعث رسالة لقوى الإعلان والميثاق ليُضاف إلى سجل مكتبه السياسي الذي ظل ينعقد بصورة راتبة ، ويناقش القضايا العامة الهامة في ظروف البلاد العادية والاستثنائية، وقد تميز على غيره من الأحزاب في ذلك النهج الذي كان للإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي في حياته القدح المعلى، وقد تراجع ذلك النهج في حزب الأمة القومي كثيرا بعد غيابه البدني عن الحياة، وأفتقد حزب الأمة القومي ذلك الضرب الهام من ضروب العمل والنشاط الحزبي الرفيع، وقد اقعدت الخلافات بين الذين آلت اليهم الأمور من بعده فأضعفت قدرات الحزب . إن القيمة الحقيقية في إعلان نيروبي وميثاق القاهرة المذكورين واللذان تناولهما الحزب الشيوعي في بيانه المذكور تتمثل في إبداء القوى السياسية والمدنية للصوت المشترك المطالب بوقف الحرب والرغبة في العمل المشترك لخدمة الأغراض الواردة في الإعلان و الميثاق . إن للحزب الشيوعي من خلال رؤيته في العمل مع غيره وبما له من تجارب مع القوى السياسية والمدنية الأخرى والتي خبرتها من خلال الأنشطة وهو المعني والأدرى . ولكن ما أراه كمراقب ينظر للأشياء من خارج الأسوار أن الأفيد للحزب الشيوعي في ظروف المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد وللبلاد ،في عدم الركون إلى قيود ومحاذير الماضي وتجاربه مع اطراف الإعلان والميثاق السوابق فقط أو الأكتراث لأصوات من صبوا جام غضبهم بالتركيز على نقد الحزب الشيوعي في موقفه من الإعلان أو الميثاق المذكورين دونما النظر فيما تناول ذلك الحزب في بيانه المذكور . فللحزب دوره الرسالي في هذه المرحلة الحرجة. إن أحزاب الإعلان والميثاق في ذاتها تحتاج إلى وقفة وإعادة النظر ، فهي لا تمارس الديمقراطية داخل أسوارها ، وينطبق عليها المثل (فاقد الشيئ لا يعطيه) ، كما ولم يظهر أن لها أي نشاط داخل البلاد ، وقد اختبأت مبررة ذلك الإختباء بالحياد ،وكأن الحرب الدائرة تدور على رؤوس طرفيها وليست على رؤوس الشعب السوداني . كما وقد كان لها من موقف الحياد الذي تتستر به أن تعمل من اجل التخفيف من وطأة آثار الحرب ، ولكن لم تبرز حتى الآن لهذه الأحزاب أي أنشطة في الداخل في حدود الممكن بمثل مساعي استقطاب الخدمات الضرورية للمتاثرين بالحرب في الداخل أو اللاجئين بدول الجوار أوتعزيز جهود مساعي الشباب المتطوعين في توفير الطعام للتكايا والعلاج للمرضى والحرب في عامها الثالث . إن الراصد لجهود العمل الطوعي اثناء الحرب داخل البلاد تتوافر لديه المعلومات الكافية عما يُبذل داخل هذه التكايا والمستشفيات من جهود لشباب متطوعين يعملون بلا ضوضاء أو فرقعات إعلامية مصاحبة ، كأمثال مؤمن ود زينب الذي لم يرفع يوما ما شعارا لحزب أو تنظيم، كما ولم يقل انه فعل كذا وكذا ، والمؤسف حقا حينما تم اعتقاله الأخير بواسطة جلاوزة النظام في مسيرة الذكرى السابعة لثورة ١٩ ديسمبر المجيدة وهو الذي ظل مع رفاقه يعملون بلا كلل أو ملل في ظروف بالغة القسوة، هنالك عطالى من شباب الأحزاب ومعارضة الوسائط تحدثوا عن اختراق مؤمن ود زينب بواسطة الأجهزة الأمنية ، وهل كان جهاز الأمن يخترق الشباب المتطوعين من أجل تقديم العون الإنساني اللازم للمرضى والجرحى ولمواراة جثامين الشهداء والموتى ،وللخروج في مسيرة كبرى تطالب بذهاب الجيش للثكنات لتكشف للعالم بان قوى ثورة ديسمبر المجيدة حية، منتظرة اللحظة الحاسمة لتبرز وتملأ الشوارع بهدير أصواتها المتمسكة بالحقوق والحريات .
الدوران في حلقة مفرغة :
القوى المدنية والحزبية السودانية المعنية لا تزال تدور في حلقة مفرغة ، وهي تخاطب الشعب السوداني لا تزال تزعم بأنها ممثلة لقوى ثورة ديسمبر المجيدة ٢٠١٨م ، بل وتطالب بتكوين الحكومة المدنية ،وليس باستعادة الحياة الدستورية للبلاد، فهي تريد أن تعود إلى السلطة، وتعتقد حيثما تم التوافق على تسليم السلطة للمدنيين بتسهيل الوساطة الرباعية، فهي بمنظورها ترى أنها لا تزال تمثل الثورة ، وحق تولي السلطة نيابة عن الثورة والثوار، وقد فات على هذه القوى الغافلة أن الحرب العبثية الدائرة قلبت الأمور رأسا على عقب ، ولم يعد الحال كما كان عليه عقب نجاح ثورة في عزل نظام الطاغية البشير ، كما ولن ترجع عقارب الساعة إلى الوراء ، فلم يعد الأمر يتعلق بمن يحكم السودان أو كيف يحكمه إلى وجود الدولة ذات نفسها . فقد انقسمت البلاد وجدانيا ولم يعد هنالك وجدان مشترك بين غالبية شعوبها، وسادت لغة الحواضن الإجتماعية . فالأمر الآن هو حول كيف يتحقق الانتقال السلمي المدني الديمقراطي وماهية مرجعياته الدستورية . إن القائد عبد العزيز الحلو رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال كمثال يطرح العلمانية أو التفكيك ، مما يعني أنه يطالب دعاة لغير العلمانية بالإذعان لرؤية حركته في إطار الدولة التي يحلم بها هو ورفاقه أو تقرير المصير ، كما ودعاة شعار الإسلام السياسي يتمسكون بشعاراتهم المرفوعة، وهنالك آخرون . لقد فات على اصحاب شعارات العلمانية والإسلام السياسي أن الدول لا تتأسس على أنشطة، فالشعارات السياسية سواء أن كانت علمانية أم دينية فهي أنشطة، والدولة تقوم على قواعد تأسيسها كدولة مدنية ديمقراطية ، لتأتي مرحلة التنافس الإنتخابي ونيل التفويض الشعبي لتنفيذ البرامج والأنشطة . وما لم يظل الخيار للناخب ليحسم خيار البرنامج الإنتخابي الذي يحدده بنفسه من خلال انتخابات عامة حرة ونزيهة تكون أي مطالب بخلاف ذلك سابقة لأوانها .
عدم الاختلاف مع الشيوعي في غالبية ما ورد ببيانه حول إعلان نيروبي و ميثاق القاهرة ولكن الأجدى أن يُقال الذي قيل حضوريا .
لتقديري وأحترامي لمواقفه وعدم خضوعه للمساومات ، كثيرا ما كنت أقدم (الرأي) للأستاذ عبد الواحد محمد أحمد النور الرئيس المؤسس لحركة وجيش التحرير السودان و لا أقول النصح أو المشورة . فلم أكن يوما ما عضو بأي حركة من الحركات المسلحة، كما وكنت أرى في غياب وممانعة الأستاذ عبد الواحد عن تلبية أي دعوة لأي منشط أو فعالية او لقاء هام بشأن الأزمة السودانية ،وبصورة مطلقة، لها سلبيات ستتراكم عليه، بأضعاف تأثير الحركة التي يقودها ، وقد صار الوسطاء الدوليين ينعتونه (بمستر نو) ، فمن يحمل القضايا العامة بالضرورة أن يسعى برأيه في المحافل والمنابر ، كما وليس المطلوب التنازل عن المواقف ، ولكن للممانعة المطلقة نتائجها السالبة ، فتحقيق المطالب يكون بالحوار السلمي مع الغير أو الإنتصار بالبندقية ، وبعد أن تطاولت ممانعة عبد الواحد شغل الفراغات غيره من الحركات التي انشقت عنه ، خرج مناوي بحركته، ولكنه لم يتمكن من شغل الفراغ ،كما وخرجت (مجموعة ١٩) ،ولم تتمكن من شغل الفراغ، وانشقت عدة حركات حاملة لنفس الإسم مع التحوير فيه ولم تفعل شيئا وتأسست حركة بإسم التحرير والعدالة من تجمع عدة حركات برئاسة د.التجاني سيسي ولم تنجح . والآن صارت الحركات عبارة عن لافتات عديدة في سوق السياسة والمتاجرة بالقضايا بلا برامج أو فلسفة لإدارة الدولة أو أهداف سوى البحث عن السلطة والأموال ، تضع عضويتها الكدمول على الرؤوس ، والرؤوس خاوية، ولو لم يلزم مؤسس حركة جيش تحرير السودان الأم عبد الواحد النور الممانعة ، كما ولو لم يترك فراغا ليشغله غيره وحرص على الحضور وتأكيد موقفه لما تكاثرت ظاهرة انقسامات الحركات المتناسلة التي تأخذ نفس الإسم وترفع ذات الشعار . لقد وظف د.قرنق كل السوانح المتاحة للحوار وحقق ما اراده من خلال الحوار مع الأخر .
إن وجود الحزب الشيوعي في منابر حل الأزمة السودانية صارت ضرورة لا بد منها خاصة الآن قد تراجع الدور الداخلي ،وحلت الوساطة الخارجية ممثلة في الرباعية تماما مكانه ، وصارت الحرب العبثية تدار بأصابع من خارج البلاد ،وانقسم المجتمع السوداني في الداخل والخارج . لقد تجاوزت أوضاع السودان مرحلة دائرة السيطرة إلى مرحلة إنهاء وجود الدولة نفسها . حتى إذا أوقفت الحرب في أي لحظة، بالوساطة الخارجية أو باتفاق طرفي الحرب ، فذلك لا يعاني انتهائها، فقد تتجدد في أي لحظة بصورة أكثر وحشية وضراوة .
لقد تميز الحزب الشيوعي بموقف متفرد منذ اندلاع الحرب بتواجد قياداته داخل البلاد، وهي متمسكة بقناعتها ،هذا الموقف المتميز يؤهل الحزب الشيوعي ليلعب دورا قد يكون هو الأهم في التأثير السياسي في ظل ظروف البلاد الحالية . فالآن الأمر يتعلق بوجود الدولة، وليس بمن يحكمها أو كيف يحكمها، كما ويبدأ أي عمل منتج ومفيد، بكيف يتم استخلاص البلاد من طرفي الحرب العبثية الدائرة قبل حدوث الانهيار التام .
في إجتماع ميثاق القاهرة الذي حضره كاتب هذا المقال نقل للإجتماع المذكور رؤية المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات والتي لا تختلف كثيرا عما ورد ببيان الحزب الشيوعي، ولكن ما يُقال مباشرة للمعنيين، وفي مكانه واوانه ، قد يكون هو الأفضل والأنجع لأنه سيكون في مكانه وزمانه المناسب . وذلك ما سنتعرض عليه في المقالات القادمة .
