تعاني الخرطوم منذ سنوات، قبل الحرب، من فقدان مساحاتها الخضراء وارتفاع درجات الحرارة، وزيادة كمية الغبار، وضعف حماية الطبيعة داخل المدينة. وما حدث لغابة السنط عند ملتقى النيلين هو آخر حلقة في سلسلة طويلة من القرارات الخاطئة والفوضى، التي جعلت الخرطوم أكثر هشاشة بيئيًا.
الحزام الأخضر وغابة المسكيت: قرارات الدولة
في زمن السلم، اتخذت الدولة قرارات رسمية بإزالة الحزام الأخضر جنوب الخرطوم، الذي كان يحمي العاصمة من الأتربة ويحد من آثار التصحر. تم تحويل مساحات الحزام الأخضر إلى حي الأزهري والسوق المركزي والسوق المحلي، دون توفير بدائل بيئية أو تخطيط أخضر لتعويض ما فُقد. المواطنون لم يكونوا سببًا في ذلك، بل كان قرارًا رسميًا من الدولة.
وبالمثل، تحولت غابة المسكيت بقرار من الدولة إلى حي غزة والمنطقة الصناعية ضمن توسعات عمرانية رسمية. هذا القرار أزال غطاءً نباتيًا مهمًا كان يخفف درجات الحرارة بالمدينة وينقي الهواء، رغم نشيدنا الذي كنا نردده: “أوعك تقطع فرع الشجرة عشان ما يجئنا جفاف وتصحر”.
غابة السنط: القطع الجائر أثناء الحرب
أما غابة السنط عند ملتقى النيلين، فقد تعرضت للقطع الجائر أثناء الحرب، بلا رقابة أو حماية. هذه الغابة ليست مجرد أشجار، بل هي:
• محمية ومحطة طبيعية للطيور البرية المهاجرة من الشمال إلى الجنوب، وملجأ آمن لها للتغذية والراحة قبل مواصلة هجرتها.
• حامية لضفاف النيل من الانجراف والتعرية.
• رئة للمدينة تساعد في تبريد وتلطيف الجو وتنقية الهواء، وتمنح سكان الخرطوم متنفسًا طبيعيًا نادرًا.
• مكان رائع للنزهة والراحة لسكان الخرطوم، حيث يمكن للعائلات الاستمتاع بالظل، والهواء النقي، ومشاهدة الطيور المهاجرة.
مع قطع الأشجار، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الغاز وانعدامه، فقدت الخرطوم موطنًا بيئيًا حيويًا ودرعًا طبيعيًا يحمي المدينة، ومتعة للنزهة والترفيه.
دعوة عاجلة للحماية
إن حماية ما تبقى من غابة السنط ليست رفاهية، بل ضرورة عاجلة لحماية المدينة من المخاطر البيئية والمناخية.
لهذا، نطالب إدارة الغابات وولاية الخرطوم والجهات المختصة بـ:
- الإيقاف الفوري لأي قطع للأشجار في الخرطوم، وخاصة غابة السنط.
- توفير بدائل نظيفة للوقود مثل الغاز والطاقة الشمسية، حتى لا يضطر الناس لقطع الأشجار من أجل حاجتهم اليومية.
- إعلان خطة واضحة لحماية الغابات وتشجير المناطق المهددة لتعويض ما فُقد.
- تفعيل القوانين التي تحمي الأشجار من القطع الجائر.
الأشجار ليست مجرد نباتات للزينة والظل، بل هواء نتنفسه، ومسكن للطيور، ومتعة للأطفال والعائلات، ومستقبل لمدينة نريد أن تبقى صالحة للعيش. حمايتها مسؤولية الجميع: الدولة والمواطنون معًا.
لنحمي الخرطوم الخضراء قبل فوات الأوان. saeed.abuobida5@gmail.com
