اليومُ أتخطّى حدودَ الكلمات…
اليومُ أتجاوزُ نبضَ حرفي الذي اعتادَ السلام.
لم أكن يومًا من دعاةِ التحريض،
بل كنتُ – ولا أزال – حريصةً على الوحدةِ والسلام،
لكنّ الصمتَ حين يطولُ يصبحُ شريكًا في الجريمة…
واليومَ قد فاضَ بي.
أُوجّهُ حديثي إلى السيّد نائبِ رئيسِ مجلسِ السيادة – مالك عقار:
ماذا بعد هذا؟
بعد هذا الحُطامِ الكاملِ في منظومةِ التعليم،
نبحثُ عن التعليمِ كما لو كنّا نبحثُ عن وطنٍ ضائع.
لا توجدُ اليومَ مخيّماتُ إجلاءٍ تعليميّةٌ حقيقيّةٌ
للطلّاب الوافدين من الفاشر…
الأعدادُ في تزايدٍ مستمر،
والمنظّمات – نعم – تعمل،
لكن بلا تصنيفٍ دقيق،
وبلا عدالةٍ في التوزيع،
وبلا رؤيةٍ وطنيّةٍ تمنعُ التعليمَ من السقوطِ الحرّ.
في مدرسةٍ واحدةٍ فقط،
يبلغُ عددُ طلّابِ وافدي الفاشر 305 طالبًا…
التزاحمُ الكبيرُ بين المقيمِ والوافد لا يُطاق.
وأنا لا أكتبُ من مكتب،
بل من جولةٍ ميدانيّة،
من طرقٍ قطعتها على قدمي،
ومن دموعٍ لم تجف،
ومن جسدٍ أنهكه المشي،
كما أنهكه هذا المشهدُ القاسي.
وعندما نعجزُ عن توفيرِ الحدّ الأدنى
لـ 305 طالبًا في مدرسةٍ واحدة،
فإنّ الحديثَ عن خططٍ عامّة
يُصبحُ ترفًا مؤلمًا.
نسمعُ عن برامجَ للوجبةِ المدرسيّة،
لكن ما يُعلَنُ يختلفُ عمّا يُنفَّذ،
والنتيجةُ واحدة: خيبةٌ ووجع.
✨ محليّةُ الدامر: جهدٌ قُدِّم… وأعدادٌ فاقتِ الاستيعاب ✨
في محليّةِ الدامر توجدُ 55 مدرسةً حكوميّة،
وقد قدّمت ولايةُ نهرِ النيل ما استطاعت
من دعمٍ وإسناد،
وكان لها القدحُ المُعلّى،
وشعارُ «نفّذ… أنقذِ الدولةَ من الانهيارِ والسقوط»
حاضرًا ضمن بنودِ الدعم.
لكنّ الواقعَ يقولُ
إنّ تزايدَ أعدادِ الطلّابِ الوافدين
فاقَ الطاقةَ الاستيعابيّةَ المتاحة.
الخيامُ التعليميّةُ هنا
لم تُطرح كبديلٍ دائم،
بل كحلٍّ إسعافيٍّ مؤقّت
لاستيعابِ الطوارئِ الناتجةِ عن النزوح،
وليس تقصيرًا من المحليّة
ولا تجاهلًا من الولاية.
وهنا يبرزُ السؤالُ الحقيقيّ:
هل يُعقلُ أن تتحمّلَ ولايةٌ واحدة
عبءَ أزمةٍ تعليميّةٍ قوميّة؟
وهل يُتركُ التعليمُ لاعتمادٍ شبهِ كامل
على فاعلي الخير وحدهم؟
جهودُ الخير مُقدَّرة،
لكنّها لا يمكنُ أن تكونَ بديلًا عن الدولة.
دعونا – لوهلةٍ فقط –
نضعُ ملفَّ الحربِ جانبًا،
وننظرُ في عيونِ أطفالِ الفاشر:
طفلٌ يُطالبُ بالتعلّم،
بينما:
شهدَ اغتصابَ أرضه،
تبعثرت هويّتُه،
فقدَ فردًا أو أكثرَ من أسرته،
وخرجَ من بيتٍ تحوّلَ إلى ركام.
أمٌّ تُعيل،
وأخٌ مفقودٌ أو شهيد،
حصارٌ وجوع،
ولا مفرّ… ولا نجاة.
نفسيّاتهم تحطّمت،
ولا دعمَ نفسيّ،
ولا بيئةَ تعليميّةً صالحة.
كيف لطالبٍ مهدَّدٍ نفسيًّا أن يتعلّم؟
وكيف نُحاسبه على سلوكه،
ونحن لم نوفّر له
الأمانَ النفسيّ أوّلًا؟
ثم نأتي إلى المعلّم…
ذلك الذي نطالبه بصناعةِ المستقبل،
وهو نفسُه خرجَ من حرب،
يحتاجُ حمايةً حقيقيّة
لا شعارات.
المعلّمُ صاحبُ رسالة،
وصاحبُ أسرةٍ صغيرة،
كانت أمًّا كبيرة
تنتظره في البيت.
فإن لم يستطع أن يوفّرَ لها،
كيف نطالبه
أن يُقدّم لنا جيلًا كاملًا؟
✨ الأشياءُ لا تتجزّأ ✨
لا تعليمَ بلا إيواء.
لا تعليمَ بلا دعمٍ نفسيّ.
لا تعليمَ بلا معلّمٍ كريمٍ وآمن.
أين الأولويّات؟
وأين الدولة؟
وأُوجّهُ حديثي كذلك
✨إلى حاكمِ إقليمِ دارفور:
طرقتُ بابك سابقًا
من أجل هؤلاء الأطفال،
لا من أجل مصلحةٍ شخصيّة،
لكنّي لم أسمع
إلّا صدى صوتي
يتردّدُ في الفراغ.
وجودُ حكومةِ الإقليمِ في بورتسودان
لا يعني أن يقتصرَ دورُها
على المعاركِ والجرحى فقط.
أنت حاكم،
والحكمُ لا يكونُ بالبندقيّة وحدها،
بل بالعدل،
وبحمايةِ التعليم،
وبصونِ جيلٍ يُذبحُ نفسيًّا
كلّ يوم.
الزياراتُ لا تكفي،
والوقوفُ على الأوضاع
لا يُنقذُ الواقع،
فالوجعُ الحقيقيّ
لا يُرى بالعين،
بل يأكلُ الأطفالَ من الداخل.
أكتبُ الآن
لأنّي طرقتُ كلَّ الأبواب،
وعُدتُ بخُفّي حُنين…
خاليةَ الوفاض.
أبكي وأكتب،
لأنّي استنزفتُ قوّتي،
وقدماي تؤلمانني
من شدّةِ المشي،
وأنا أبحثُ عن خيمة،
عن حقّ معلّم،
عن كرامةِ طفلٍ
ذنبُه الوحيد
أنّه وُلدَ في زمنِ حرب…
وكبرَ قبل أوانه.
✨ الأطفالُ النازحون بعد سقوطِ الفاشر: أرقامٌ لا تكذب ✨
من بين 600,000 نازح
من الفاشر والمناطق المحيطة،
حوالي 130,000 طفل
بحاجةٍ ماسّةٍ للحمايةِ والدعم.
تمّ توثيقُ 154 طفلًا منفصلين عن أسرهم
في نقاطِ الاستقبال
(طويلة – مليط)،
وفي نهرِ النيل والشماليّة،
خاصّةً معسكري العفاض والنهضة،
ولم يُعاد توحيدُ
إلّا 43 طفلًا فقط.
والعددُ الحقيقيّ أكبرُ بكثير،
بسبب صعوبةِ الوصول
لكلّ المخيّمات.
هذه ليست أرقامًا…
هذه وجوهٌ، وأرواح،
وأطفالٌ حُرموا التعليم
قبل أن تكتملَ أعمارهم.
وهنا يظهرُ فشلُ الدولةِ والإقليم
في حمايةِ حقوقهم،
وتركُهم لفاعلي الخير
لتغطيةِ ما عجزت عنه
المؤسّساتُ الرسميّة.
أصبحَ التعليمُ متروكًا
للمبادراتِ الفرديّة،
فليخبرنا أحدهم:
هل هذا كافٍ؟
نسمعُ عن عيدِ المعلّم،
وعن ميزانيّاتٍ تُخصّص،
لكن ماذا بعد؟
ليُخبرنا المسؤول.
قصورُ التعليمِ اليوم
لا يطالُ مدرسةً دون أخرى،
بل يعمّ المدارسَ والجامعات،
والمعلّم – رغم وضعه في المقدّمة دائمًا –
هو الآن
في خطّ النارِ الأوّل
من أجل الوطن.
وعندما يُقال
إنّ كلّ الولايات
قد أخذت حصصها،
ويبقى القصورُ قائمًا،
فهنا يجبُ أن نتوقّف،
ونفتحَ ملفاتٍ
طال إسكانها…
عن الفسادِ الإداريّ…
الله المستعان.
سلامٌ وأمان، فالعدلُ ميزان
✨ توقيعٌ لا يُنسى…
أنا الرسالةُ حين يضيعُ البريد،
وأنا الشهادةُ حين يُطمَسُ الدليل،
إنّا امرأةٌ من حبرِ النار.
✍️ عبير نبيل محمد فرح
