الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتعودة الدولة إلى قلبها.. بقلم/ د. إسماعيل...

عودة الدولة إلى قلبها.. بقلم/ د. إسماعيل الحكيم..


حملت المصادر الخبرية.. أن اليوم يغادر د. كامل إدريس مدينة بورتسودان الي العاصمة الخرطوم.. منذ تكليفه في مايو من العام السابق، فلم تكن عودة رئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس إلى الخرطوم اليوم الأربعاء انتقالاً جغرافياً من مدينة إلى أخرى، بل كانت عودة معنى إلى مكانه الطبيعي، وعودة الدولة إلى قلبها الذي غاب أكثر من عامين ونصف تحت وطأة الحرب والتخريب الممنهج. فالخرطوم ليست عاصمة تُدار عن بُعد، ولا رمزًا يُستحضر في الخطب، إنما مركز القرار، ومسرح الفعل، ومرآة السيادة.
تحمل هذه العودة مضامين كبرى لا تخطئها عين ولا تجاوزها المتابع. أولها أن الحكومة – عمليًا لا خطابًا – تعلن جديتها في إنهاء مرحلة “الإدارة الاضطرارية” والانتقال إلى طور الدولة الحاضرة على أرضها، بين شعبها، ومن قلب عاصمتها. فالحكومات التي تدير شؤونها من العواصم المؤقتة تظل، مهما حسنت نواياها، أسيرة الهشاشة والتردد.
وثاني هذه المضامين بعث رسالة طمأنة واضحة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن الخرطوم لم تعد مدينةً مستباحة، وأن الأمن عاد إليها ، وأن روحها – وإن أنهكتها الجراح – بدأت تستعيد نبضها. وهي رسالة بالغة الأهمية في زمن تُقاس فيه شرعية الدول بقدرتها على بسط الحد الأدنى من الاستقرار في عواصمها.
أما المضمون الثالث، والأكثر التصاقًا بالناس، فهو توجيه نداء عملي للمواطنين بالعودة، لا بوصفهم متفرجين على مشهد الإعمار، بل شركاء فيه. فإعادة بناء الخرطوم، والسودان من بعدها، لا يمكن أن تتم بقرارات فوقية أو خطط مكتبية، وإنما بسواعد أبنائها، وبثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع، بعد أن قصدت المليشيا تدمير كل ما له صلة بالحياة، والذاكرة، والدولة.
غير أن واجبنا المهني، كصحفيين، لا يكتمل بالاحتفاء وحده والتصفيق، إنما يستوجب الإشارة الصادقة إلى أوجه القصور التي لازمت حكومة د. كامل إدريس خلال وجودها في بورتسودان. ولعل أبرز هذه السلبيات تباعد أنفاس الاجتماعات الدورية لمجلس الوزراء، إذ لا يعقل أن تُدار دولة في ظرف استثنائي بلا انتظام مؤسسي، وبلا غرفة قيادة تجتمع، وتراجع، وتصحح.
هذا الغياب أفضى، بالضرورة، إلى عمل الوزراء في جزر معزولة، تحكمه الاجتهادات الشخصية أكثر مما تضبطه رؤية جماعية. كما جعل الحكومة تبدو – في أحيان كثيرة – حائرة، بلا خطة واضحة ولا تخطيط محكم، فصدرت بعض القرارات المرتجلة، غير المدروسة، التي لا تليق بثقل المرحلة ولا بحجم التحديات.
وإذا كنا قد التمسنا العذر لحكومة إدريس في بورتسودان، بحكم محدودية الإمكانات وعدم تهيئة المدينة لتكون عاصمة قرار كاملة، فإن الخرطوم اليوم ترفع هذا العذر، وتسحب المبررات. فهنا، حيث تتقاطع السياسة بالأمن، والإدارة بالواقع، فلا مجال للتردد، ولا مساحة للارتجال.
إن التحديات العظام التي تنتظر حكومة د. كامل إدريس من اليوم لا تحتمل تأخيرًا ولا تجريبًا. فالوقت ضيق، والرهانات كبيرة، والناس ينتظرون حكومة تخطط بقدر ما تقرر، وتعمل بروح الفريق لا بعقلية الجزر، وتدرك أن العودة إلى الخرطوم ليست نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية. Elhakeem.1973@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات