بين طيات المحن تأتي المنح، في كل محنة منحة وفي كل أبتلاء ارتقاء، حكمة إلهية وتدابير ربانية، فلا تحزن ولا تفزع ولا تيئس… ومهما طال الليل سيأتي الفجر والنور والفرح والفرج، ولا تدرى هل تأقلمت مع الوجع وتبلدت مشاعرك وحواسك أم قررت الإنسحاب من الحياة تاركا فيها جسدك بعد ان فقدت عافية الروح أم هى حالة إستسلام هادئ وديع.. فى كل الحالات يبقى التأقلم بصمت قد يكون منحة من الله إلى أن يمن عليك بعناية لطفه ورحمته..فلا تجزع لقدر الله وأمره بالخذلان من عدم الصبر والجزع وغيرها من المشاعر الإنسانية المتضاربة.
إن (الجزع) لا يرد مفقودا ولن يحيي ميتاً، وهو اعتراض على قضاء الله وقدره ولن يقدر كائن من كان على رد القدر.
إذ أن الجزع يسر أعداءك ويشمت بك الحاقدين والحاسدين ويزيد من حرقة وتيرة ألآمك ويشفي وغر أعدائك ويجعل قلبك ينقبض ووجهك عابس وفوق هذا وذاك يذهب نضارة وجهك ويخفي حيويته..كما يؤثر كل ذلك سلباً على روحك وجسدك وصحتك، فالجزع لا يوقف قضاء الله النافذ وهو مكتوب منذ الأزل لا محالة واقع حيث الأقلام رفعت والصحف جفت….يقول الرسول صلي الله عليه وسلم :(وأعلم أنر الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وأن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)….وأعلم (أنا ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصبك) إنها مجردة وصادقة نطق بها خير البرية فتيقن بها سكينة للروح.
لا تحزن وتجزع على نعمة فقدتها يوما ما وتيقن أن الذي ابتلاك(يحبك) وقد أعطاك نعماً لا تحصي ولا تعد. قال الله تعالى: (وآتاكم من كل ما سألتموه وإِن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإِنسان لظلوم كفار)… وأن لكل شئ كتابه وستأتي اوقات الفرج وإن تلبد سماك بغيوم الهم وعند الله طوق الفرج والهم يزاح والمرض يزول والذنب يغفر والدين يقضى والمحبوس يفك أسره والغائب يعود يوما وإن طال الغياب والفقير يرزق ويغتنى.. والأيام دول بين الناس هذا وعد وبشري من الله لعلنا نتفكر ونتدبر عمق الإبتلاء الرباني (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين)…عند تناهي الشدة يكون الفرج، وعند تضايق البلاء يكون الرخاء. إن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب….إن في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وعليه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزنٌ لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصّبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته ودوام ذكره والإخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبداً….ندعو الله أن تكون الايام القادمة محملة بالخير والفرج.
