من بين المخاطر التي تقوض أمن الدول واستقرارها وتشل قدرتها على الانطلاق نحو الاستقرار والتنمية والتطور. ما يعرف في علوم الأمن والمخابرات بالعمالة والجاسوسية. أي نشاط العملاء والجواسيس وهم الافراد الذين يقومون بخدمة العدو من الداخل بنقل المعلومات الحساسة وكشف الاسرار المتعلقة بأمن الدولة أو تمكين أطراف لا ينبغي لهم الوصول إليها من الاطلاع والمعرفة او تنفيذ مخططات العدو بعد التمكن من الوصول إلى مواقع التأثير والقرار.. وضرب وحدة وتماسك الصف الوطني وشل القدرات من خلال أعمال وأنشطة تضر بالمصلحة الوطنية…. تحكي الشواهد التي وردت في تتبع مسيرة العمل التجسسي عن أدوار رئيسة ومؤثرة أداها العملاء و الجواسيس في فترة الحروب العالمية والحروب الثنائية بين الدول وحتى إبان الحرب الباردة كان لها مردودها كعامل حاسم واساسي في نتائج الصراع. وقد طال تاثيرالعملاء حتى في توجيه خطط وبرامج الدول وغير مساراتها بما يخدم مصالح الجهات المعادية ومضى إلى أبعد من ذلك إلى درجة تفكيك دول وفض تحالفات وبناء أخرى….. وبعد انقضاء الحقبة الاستعمارية اهتمت الأنظمة الغربية وأجهزة مخابراتها بتطوير خطط التعامل مع الواقع الدولي الجديد بإعداد خطط الهيمنة والسيطرة الناعمة لتتمكن من سرقة واستحواذ الموارد والثروات التي جمعت عنها أدق المعلومات وأجرت حولها الدراسات في أفريقيا والوطن العربي عموما.. وتوجهت نحو منهج جديد للتعامل مع دول المنطقة وأنظمتها وقواها السياسية والمجتمعية. منهجا يعتمد على سياسات التغلغل والتطويع والاستتباع والذي من ضمانات نجاحه اكتساب عملاء ينوبون عنها في تنفيذ المرامي ويسهلون الوصول إلى ماتريد وجواسيس يمدونها بالمعلومات والبيانات . وقد سخرت في سبيل ذلك كل الممكن في مسارات العمل الدبلوماسي والإنساني. الإعلامي. الثقافي وغيره فلوثت مناخ العلاقات الدولية ومؤسسات المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية مما كان له أثر كبيرفي تشويهها وفقدانها للقواعد الأخلاقية اللازمة لوجودها….. في السودان كانت اخصب فترات تنامي أنشطة المخابرات المتربصة بالبلاد باهدافها ودوافعها المختلفة هي فترات الأزمات ابتداء من المجاعة في ثمانينات القرن الماضي والتي توافدت فيها المنظمات الغربية وتحت غطاء أنشطتها تخفت بعثات أخرى لأهداف مغايرة تماما. وكذلك أثناء الحروب التي شهدتها البلاد والحراك الدولي والإقليمي الذي تم في تفاعلات البحث عن تسوياتها. وقد تلاحظ في تلك الأثناء كثافة الحضور الأجنبي. إضافة إلى فترة الرخاوة السياسية والسيولة التي شهدتها البلاد بسبب الاضطراب السياسي… وهو ما زاد أطماع الخارج في الموارد الوطنية ورفع رغبة المتربصين في ابتلاع البلاد واقتطاع أجزاء منها ليسهل الانقضاض على وحدتهاوالاستحواذ على مواردها وهي ما يتطلع له الجوار القريب والمتربص البعيد. إضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بالموقع الجغرافي ووضع السودان في خارطة التصور الغربي للمنطقة وأدواره في التحولات التحررية والسياسية التي شهدتها القارة الأفريقية والعالمين العربي والإسلامي.. ان كثير مما شهدته البلاد مرده إلى محاولات إملاء لفرض رؤى خارج إطار الإرادة الوطنية عبر إشعال مستمر للحروب وبروز تيارات ونزعات انفصالية وتبني خطابات وطرح مشاريع لضرب الوحدة الوطنية وغرس العداوة بين المكونات الاجتماعية وتأسيس كيانات عرقية وجهوية بابعاد سياسية . وتنشيط عمل هدام تجاه الموارد الاقتصادية من تهريب وسرقة واغراق بالسلاح والمخدرات وتهجير العقول المبدعة والكفاءات وتعبئة الشباب لخيار الهجرة غير المقننة وغيرها من الأنشطة التي يقف خلفها التخطيط الهدام. لقد تغلغلت جذور العمالة عميقا في اوساطنا لدرجة تجاوزت محاولات فرض الوصايا الخارجية إلى إنشاء كيانات سياسية واجتماعية تتبناها جهارا مما يعرض أمن واستقرار البلاد إلى خطر داهم واضطراب مستدام. وليس من سبيل إلى تجاوز هذا الواقع ومواجهة تلك المعضلات الا باتخاذ تدابير إجرائية دقيقة وبناء خط أمان واقي ومتين. قوامه ترتيبات واسعة المجال لتعزيز قيم الإنتماء الوطني. وفضح المخططات المستهدفة للبلاد وأدواتها ومراميها وتمظهراتها بما يؤدي إلى عزل العملاء والجواسيس سياسيا واجتماعيا ورفع مستوى الوعي بالمخاطر والمهددات التي تمس الأمن القومي عبر الاستخدام الأمثل لوسائل الاتصال الجماهيري وتطوير التشريعات والقوانين التي تتعلق بذلك والمزيد من الضبط للوجود الأجنبي وبناء خطة وطنية شاملة لتقوية دعائم الأمن القومي.. ان نجاح أي مسعى لاستقرار البلادوالحفاظ على الوحدة الوطنية مرهون بتنقية الساحة السودانية من أصابع وايدي المخابرات الأجنبية العابثة باوضاعها ونزع مخالبها من السوح السياسية والاقتصادية وغيرها وابتداع رؤية للمشاركة المجتمعية في ذلك وتوفير الحصانة اللازمة للأجهزة المختصة وتطوير التشريعات المتعلقة بحماية الامن القومي وذلك هو السبيل إلى السلام والاستقرار والتعافي الوطني
