الجمعة, فبراير 27, 2026

فلق الصباح علي بتيك يكتب… حتى يغيروا ما بأنفسهم

 يظل التغبير أمل وهدف يراود الجميع ولا يوجد شخص إلا وتحدثه نفسه وتتوق لذلك عليه فإن مجرد الحديث عن التغيير يؤشر لرغبة في التطور والارتقاء لكن النية وحدها لاتصنع التغبير ففي الشأن العام لا بد وأن يعبر عنه ويخطط له ببرنامج واضح المعالم قاسمه الأعظم التوافق الوطني وإلا لأصبح مجرد شعارات مرحلية سرعان ما تذروها رياح التغيير الهوجاء.
  لقد سعى السودانيون مراراً للتغيير وثاروا من أجله وما ثورات المهدي وجمعية اللواء الأبيض وود حبوبة ومؤتمر الخريجين إلا محطاث في مسار التغيير الهادف للانعتاق والاستقلال وهو ما تحقق في أواسط الخمسينات بتوافق الإرادة الوطنية وإعلان الاستقلال من داخل البرلمان في 19ديسمبر من عام 1955م.
   لكن العهد الوطني شهد اختلافات وإخفاقات وانتكاسات بسبب فشل النخب في إدارة الاختلاف وهو ما حدا بالجيش للانقضاض على الحكم بدافع التغيير وصون الوطن وهو ما حدث ثلاث مرات منذ الاستقلال في أواخر الخمسينيات والستينيات والثمانينيات ولايزال الجيش على رأس السلطة إلى يوم الناس هذا.

إن النخب والأحزاب التي أدمنت الفشل مطالبة قبل غيرها أن تعكف على عقد مراجعات حقيقية تقود لإصلاح سياسي تبتدره بنفسها قبل مطالبة الآخرين وهنا تكمن العلة التي أودت بتجاربنا السياسية من نوفمبر 1958 وإلى ديسمبر 2019 .. مروراً بتجارب الاتحاد الاشتراكي “مايو”،والمؤتمر الوطني وظهيرها أي الحركة الإسلامية “الانقاذ” وصولاً إلى جماعة الحرية والتغيير والمكون العسكري ففي كل مرة وعهد تحصل مواجهات وتقابل وتضاد بين ماهو مدني وعسكري ويقبل بعضهم على بعض يتلاومون وصولاً إلى النهايات نفسها أي انسداد الأفق الذي من أعراضه التشبث بالسلطة المفضي إلى زوالها.حتى المكون العسكري الراهن والذي يعد وجوده طارئاً سيواجه نفس المصير إن هم انشغلوا بالتمكين لمجموعتهم فإدارة الدولة وشؤون الرعية أمر سياسي وليس شأنا عسكرياً.
ولنا في تجارب الآخرين دروس وعبر لقد نجحت رواندا مثلاً في مسار المصالحة وتجاوز تركة الماضي المثقلة بالدماء والديون حيث دمرت الحرب الأهلية الاقتصاد والبنية التحتية وأفضت إلى عدم الاستقرار السياسي.لكنها اعتمدت في نجاحها وتحولها على إصلاحات إدارية اقتصادية اجتماعية عبروا عنها في دستور 2003 المحدث والقوانين التي تجريم خطاب الكراهية وإثارة النعرات العرقية لدرجة منع استخدام وتداول مفردات”الهوتو والتوتسي” ثم هي نجحت في التخطيط اعتماداً على المورد البشري أي التعليم والتكنولوجيا وثورة الاتصالات وتطوير القطاع الزراعي وإنفاذ مشاريع مدافعة للفقر.
إن التغيير ابتدارته داخلية وهو شرط لازم كما في قول ربنا “حتى يغيروا ما بأنفسهم” ثم هو بالضرورة يحتاج لإرادة وإدارة تنتج مشروعا وطنياً يقوم على الحوار ويعزز المشتركات ويدعم العمل المشترك ويطور الممارسة السياسية ضمن مشروع الإصلاح السياسي الشامل تفادياً وتلافيا لتكرار الأخطاء التي لازمت التجربة السودانية على مدى سبعة عقود وهي التي أشرنا إليها آنفاً.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات