في كل مجتمع تسوده الأزمات ويطول فيه زمن الفوضى، تظهر سلوكيات سلبية تتحول بمرور الوقت إلى عادات “طبيعية” في أعين الناس، رغم أنها في الحقيقة من أكبر أسباب انهيار النظام العام وضعف الدولة. وفي السودان، لا نبالغ إذا قلنا إن أحد أخطر هذه السلوكيات هو تطبيع الفوضى… الفوضى في المرور، في الأسواق، في الصفوف، في العمل، في المناسبات، وحتى داخل الأسرة.
ولأن الإصلاح يبدأ من لحظة الاعتراف، فإن نقد الذات ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية.
أولًا: أمثلة واضحة على سلوكيات الفوضى في حياتنا اليومية
- الفوضى في الشارع
الوقوف الخاطئ للسيارات في أي مكان.
القيادة بدون احترام للإشارة أو أولوية الطريق.
الباعة الذين يقطعون الطريق ويحتلون الأرصفة بالكامل.
هذه المظاهر ليست مجرد “تفاصيل”، إنها تكلف السودان أرواحًا ووقتًا ومالًا!
- الفوضى في العمل
موظف يأتي متأخرًا ثم يبرر بأنه “كان مشغول”.
معاملات تتأخر بالأيام لأن المسؤول غير موجود.
استخدام الأدوات والممتلكات العامة بطريقة عبثية… “ما حقي!”
هذا السلوك يُهدر الإنتاجية ويضاعف تكاليف الدولة.
- فوضى الصفوف والمناسبات
التدافع.
عدم احترام الدور.
التزاحم بلا نظام.
دخول أشخاص عبر “الواسطة” وترك الناس تنتظر في الحر.
الصف ليس مجرد تنظيم… إنه معيار لمدى احترامنا لبعضنا.
- الفوضى داخل الأسرة
الأطفال يصرخون في الأماكن العامة دون تدخل من الوالدين.
إطلاق الأغاني أو المقاطع العالية ليلًا دون مراعاة للآخرين.
الفوضى في المواعيد داخل الأسرة نفسها… “لسه ما جاهزين!”
هذه السلوكيات تُخرج أجيالًا لا تعرف معنى الانضباط.
ثانيًا: لماذا أصبحت الفوضى “أم السلوكيات” في السودان؟
- غياب القدوة
حين يرى المواطن مسؤولًا لا يحترم القانون، فمن الطبيعي أن يقلده.
- ضعف الرقابة
قانون بلا تطبيق يساوي فوضى… والشعب يفقد الثقة.
- غياب العقوبة الواضحة
إذا لم يُحاسَب المخالف، يتحول الخطأ إلى سلوك يومي.
- انهيار ثقافة الوقت
حين لا يحترم الناس الزمن، لا يحترمون التنظيم.
ثالثًا: كيف نعالج ثقافة الفوضى؟ (خطوات عملية)
- القدوة أولًا
سلوك واحد صالح من شخص مؤثر يمكن أن يقود عشرات للتغيير.
- تعليم الأطفال منذ الصغر
صفوف المدرسة، النظام، النظافة… هذه ليست مناهج بل تربية مجتمع.
- حملات مجتمعية
مبادرات شبابية لتنظيم الأسواق، تنظيف الأحياء، تنظيم الصفوف.
- فرض القانون بلا تردد
القانون ليس خصومة… إنه حماية للناس جميعًا.
- الاعتماد على التكنولوجيا
نظام دور إلكتروني.
الدفع الإلكتروني.
كاميرات مراقبة المرور.
التقنية تختصر الوقت وتقتل الفوضى.
رابعًا: كلمة للقراء الكرام
أصدقائي في صحيفة المجد نيوز ومتابعي الأعزاء… شكرًا لحرصكم على متابعة هذه السلسلة. إن نقد الذات ليس جلدًا للذات، بل هو أول خطوة في طريق بناء وطنٍ يحلم به كل سوداني: وطنٌ منظم، عادل، يحترم القانون، ويجعل الفوضى استثناء لا قاعدة.
الخلاصة
لن يتغير السودان بالقوانين وحدها، ولا بخطب السياسيين، بل حين يقرر كل فرد فينا أن يوقف سلوك الفوضى داخل بيته، في عمله، في الشارع، وفي كل حركة يقوم بها.
الفوضى ليست قدرًا…
والنظام ليس رفاهية…
والالتزام هو بداية بناء الدولة من جديد.
