يشهد السودان في لحظته الراهنة أخطر انهيار تعليمي منذ تأسيس الدولة الحديثة، وهو انهيار لا يتصل فقط بتداعيات الحرب، بل يمثل ذروة مسار طويل من التفكك البنيوي الذي بدأ مع سياسات نظام الإنقاذ واستُكمل بالحرب الشاملة التي اندلعت في أبريل 2023. فالتعليم، الذي كان عبر عقود أداة كبرى لبناء الهوية الوطنية وتكوين رأس المال البشري، انزلق اليوم إلى حالة انهيار كامل تُهدّد بقاء الدولة نفسها، إذ خرج نحو 82٪ من الأطفال من العملية التعليمية بحسب تقارير اليونيسف، بما يعادل أكثر من 14 مليون طفل. ولا تمثل هذه الأرقام مجرد مؤشرات إحصائية على أزمة تعليمية، فهي تعكس انهيارا عميق في وظائف الدولة ومسؤولياتها الاجتماعية و تشكل تهديدا مباشر لظهور “جيل مفقود”يفتقد الي الفرص و المهارات اللازمة لمستقبل مستقر
تتحدد جذور الأزمة في السياسات التي اتُّبِعت منذ انقلاب 1989، حين تحوّل النظام التعليمي إلى أداة أيديولوجية تُراد بها “إعادة صياغة الإنسان”، فتم إنتاج مناهج لا تستجيب لحاجات المعرفة ولا للتنوّع السوداني، وأُقصي الخبراء التربويون لصالح لجان سياسية، فانهارت جودة المحتوى، وتراجعت مكانة المدرسة، وتآكلت قدراتها المهنية. وفي الوقت ذاته، تعرّضت البنية التحتية التعليمية لأوسع عملية تدهور؛ إذ كانت الغالبية الساحقة من المدارس، بحلول العقد الأخير من حكم الإنقاذ، غير صالحة للتدريس، بينما تراجعت ميزانية التعليم إلى حدود 2.5٪ فقط من الإنفاق العام، مقارنة بمتوسط عالمي يتراوح بين 4.5 و6٪. وعلى الرغم من أن النظام روّج لزيادة فرص التعليم، فإن ما حدث في الواقع كان خصخصة متطرفة حولت التعليم إلى سلعة مكلفة تفتقر إلى الرقابة المهنية، وأدّت إلى فجوات طبقية واسعة في فرص الوصول إلى التعليم.
أما الجامعات فقد شهدت موجات فصل سياسية لأعضاء هيئة التدريس، وتراجعاً حاداً في الأنشطة الأكاديمية، وعنفاً طلابياً منظماً، ونهباً ممنهجاً لمواردها عبر صندوق دعم الطلاب. ونتج عن ذلك أن الجامعات السودانية فقدت دورها التاريخي بوصفها مركزاً لإنتاج المعرفة ومختبراً للنخب الوطنية، وأصبحت في كثير من الأحيان امتدادًا للهيمنة السياسية بدلاً من أن تكون جسراً نحو التحديث والتنمية.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة، انهار ما تبقى من مؤسسات التعليم. فقد تحوّلت آلاف المدارس إلى مراكز نزوح أو مواقع عسكرية، ودُمّرت مئات منها بصورة كاملة، بينما توقفت رواتب المعلمين، وتوقف طباعة الكتب، وتعطلت سلاسل الإمداد، وانخفضت قدرة الدولة والمحليات إلى مستوى غير مسبوق. وتكشف تقارير المنظمات الدولية، بما في ذلك اليونيسف واليونسكو والبنك الدولي، أن السودان يعيش حالياً أكبر تعطيل تعليمي في إفريقيا منذ الإبادة الجماعية في رواندا.
ويمتد تأثير الحرب إلى المستويات الاجتماعية والنفسية، إذ أدّت موجات النزوح غير المسبوقة إلى اقتلاع ملايين الأطفال من بيئتهم المدرسية، وتعرّضهم لمخاطر العنف والجريمة والتجنيد القسري والاتجار بالبشر. وتؤكد دراسات المقارنة الدولية في الدول الهشّة—مثل اليمن وسوريا وجنوب السودان—أن انقطاع التعليم لأكثر من ثلاث سنوات يؤدي إلى خسارة دائمة في رأس المال البشري على مستوى الدولة، ويُسهم في انتشار التطرف والتسلح وارتفاع معدلات الجريمة، بما يعمّق هشاشة الدولة ويطيل أمد الصراع.
ويعكس خروج السودان من تصنيف جودة التعليم العالمي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس 2024) مع ست دول عربية (السودان، ليبيا، الصومال، سوريا، اليمن، العراق). خطورة الوضع. ففي الوقت الذي حافظت فيه دول عربية عديدة—مثل قطر المرتبة 4 عالميا والإمارات المرتبة 10 عالميا ولبنان 25 عالميا—على مواقع متقدمة، خرج السودان بالكامل من قوائم التقييم، ليجد نفسه في مجموعة تضم الدول الأكثر هشاشة ونزاعاً في العالم. ويعني هذا الغياب أن السودان فقد أدوات القياس والمقارنة، وأن مؤسساته التعليمية لم تعد قابلة للتقييم وفق المعايير الدولية، وهو مؤشر على انهيار بنيوي وليس على تراجع مؤقت.
السؤال الذي يفرض نفسه:
إلى أين يسير السودان حين يخرج من معايير قياس التعليم؟ وما الذي يتبقى لدولة بلا تعليم؟
ولا يقف خطر انهيار التعليم عند حدوده المباشرة، بل يمتد إلى مستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالتعليم يمثل أهم عناصر النمو في الدول النامية، وانهياره يعني أن السودان محروم من أهم مورد من موارد التعافي بعد الحرب. وتشير نماذج البنك الدولي وصندوق النقد إلى أن كل سنة دراسية يفقدها الطفل في بلد في حالة تؤدي إلى انخفاض مستقبلي في الدخل قد يصل إلى 9٪، وإلى خسارة اقتصادية قد تتجاوز 2٪ من الناتج القومي الإجمالي للدولة لعقود. وهذا يعني أن الأزمة التعليمية الحالية ستنعكس على الاقتصاد والسياسة والهوية الوطنية بصورة طويلة الأمد قد يصعب تعويضها حتى بعد وقف الحرب.
وإذا قرّرت السلطة أن تُولي التعليم اهتماماً يفوق أولويتها الراهنة في الإنفاق على الحرب، فإن الوضع المتدهور يفرض تدخّلاً عاجلاً لا يحتمل الانتظار حتى نهاية الصراع. فالمعادلة التقليدية التي تربط إصلاح التعليم بعودة الاستقرار لا تصلح في السياق السوداني لأن انهيار التعليم ذاته أصبح قوة مولّدة لعدم الاستقرار. ويفرض ذلك إعلان حالة طوارئ تعليمية تُعامل مع دمج 14 مليون طفل في العملية التعليمية كأولوية قومية، تُسندها تحالفات دولية مع الأمم المتحدة واليونسكو واليونيسف والبنك الدولي. ويمكن استلهام تجارب ناجحة من دول خرجت من النزاعات مثل رواندا وسيراليون التي اعتمدت نماذج “مدارس المجتمع” و“الفصول المؤقتة” و“التعليم الإذاعي” لتجاوز فجوات الدمار.
وتتطلب المعالجة كذلك إعادة تأهيل المعلمين وتحفيزهم مادياً، وتطوير نظم تعليمية مرنة تشمل التعليم الرقمي والإذاعي، وإشراك منظمات المجتمع المدني في إنشاء “مدارس ظل” في المخيمات والمناطق الريفية، وإرساء آليات دعم للأسر الفقيرة تضمن عودة أبنائها إلى مقاعد الدراسة مقابل دعم مادي للاسرة.
يجب أيضاً مساءلة الجهات التي شاركت في استهداف المدارس أو استخدامها لأغراض عسكرية، إذ تمثل هذه المساءلة ضرورة أخلاقية وقانونية بموجب قانون روما، واتفاقيات جنيف، والاتفاق العالمي لحماية التعليم في النزاعات
Global Coalition to Protect Education from Attack (GCPEA)
لأن الإفلات من العقاب يشجع على استمرار هذه الانتهاكات.
وتكشف التجارب الدولية أن الدول التي خسرت أجيالاً كاملة من التعليم احتاجت إلى عقود لإعادة بناء رأس مالها البشري. وإذا لم يُتدارك الوضع الحالي، فإن السودان سيتحول إلى دولة فقيرة في المعرفة، ضعيفة في الإنتاج، مترهلة في مؤسساتها، مهددة بانفجار اجتماعي واقتصادي واسع. وفي سياق كهذا، تصبح معركة التعليم ليست خياراً إصلاحياً، بل معركة بقاء للدولة، لأن دولة بلا مدارس، وبلا معلمين، وبلا أطفال يتعلمون، هي دولة فقدت قدرتها على الحياة.
إن الحرب التي دمّرت المدارس لا تدمّر الحجر وحده، بل تدمّر الذاكرة الوطنية، والخيال الجمعي، والقدرة على الحلم. وإذا لم تُخض معركة التعليم اليوم، فإن السودان سيجد نفسه بعد سنوات أمام فراغ بشري ومعرفي يجعل أي مشروع نهضوي مستحيلاً.
إن إنقاذ التعليم هو الشرط الأول لإنقاذ السودان، وهو عمل جماعي يتجاوز قدرة الحكومات وحدها، ويحتاج إلى تضامن وطني ودولي واسع، لأن خسارة التعليم ليست خسارة لقطاع، بل خسارة لوطن كامل.
إنّ استمرار الحرب يعني عمليًا أنّ السودان يتجه إلى مستقبل مظلم، فقير، ممزّق، وعاجز عن النهوض.
إنقاذ التعليم اليوم هو إنقاذ سودان الغد.
وإعادة ١٤ مليون طفل إلى المدارس ليست مجرّد مهمة إنسانية؛
إنها معركة وطنية تُخاض الآن، لا تُؤجَّل إلى حين توقف المدافع.
فإذا خسر السودان معركة التعليم، فلن يربح أي معركة أخرى.
