قدّمت حكومة السودان إلى الأمم المتحدة “خريطة طريق” قالت إنها تمثّل رؤيتها لوقف الحرب وإطلاق عملية سياسية جديدة. غير أن مراجعة الوثيقة تكشف أنها لم تُصَغ وفق منهج دبلوماسي محترف يعكس خبرة وزارة الخارجية، بل كُتبت بلهجة طرفٍ يرى نفسه منتصراً يريد فرض شروطه على الطرف المهزوم.
وتسري داخل الأوساط الدبلوماسية في الخرطوم معلومات راجحة بأن وزير الخارجية السابق لم يُستشَر في إعداد الخريطة، وأنه علم بها بعد أن تم تسليمها إلى الأمين العام للأمم المتحدة.
وما يزيد المشهد ارتباكاً أن مجلس الوزراء أعلن، في اجتماعه يوم الثلاثاء 25 نوفمبر 2025، تأييده الكامل لخريطة الطريق. وهنا يبرز تساؤل مشروع:
هل كلّف أيٌّ من أعضاء مجلس الوزراء نفسه بقراءة الوثيقة قبل تأييدها؟
فلو فعل أحدهم ذلك لاكتشف بسهولة أنها وثيقة معطوبة، لا تستوفي الحد الأدنى من المعايير الدبلوماسية والقانونية، ولا تصلح لتكون أساساً لعملية سلام.
إن هذا السلوك يعكس أزمة مؤسسية عميقة، حيث تُمرَّر القرارات المصيرية دون مراجعة فنية أو سياسية حقيقية، وتُعتمد وثائق تمثّل “موقف الدولة” من دون أدنى تمحيص، وهو ما يفاقم هشاشة الحكم ويُضعف .شرعية مؤسسات الدولة أمام المجتمع الدولي.
تنص الخطة على وقف لإطلاق النار بشرط انسحاب قوات الدعم السريع بالكامل خلال عشرة أيام إلى ولايات دارفور، والبقاء هناك لمدة تسعة أشهر قبل بدء أي نقاش حول مستقبلها.
هذه الصياغة تنطوي على خمس مشكلات جوهرية:
- تجاهل الواقع الأمني
لا وجود فعلي للحكومة المركزية في معظم دارفور، ما يجعل “تجميع” القوات هناك بمثابة تسليم الإقليم رسمياً لقوات الدعم السريع، بلا ضمانات، وبلا إدارة مدنية أو عسكرية فاعلة.
- تكريس الانفصال الواقعي
الفصل الجغرافي بين دارفور وبقية السودان يخلق حدوداً سياسية وأمنية بحكم الأمر الواقع، وهو المسار ذاته الذي سبق وأدّى إلى انفصال جنوب السودان.
- خرق صريح لمبدأ وحدة الدولة
الخطة تناقض المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة التي تلزم الدول بالحفاظ على وحدة أراضيها، كما تخالف مواقف الاتحاد الأفريقي الرافضة لأي حلول تؤدي إلى تفكيك السودان.
- منح الدعم السريع “شرعية جغرافية”
بدلاً من إدخال قوات الدعم السريع في مسار دمج وإعادة هيكلة داخل جيش مهني واحد، تمنح الخريطة هذه القوات منطقة نفوذ آمنة لمدة تسعة أشهر.
- تجاهل جوهر النزاع
الحرب ليست “تمرداً” كما تحاول الوثيقة تصويرها، بل هي صراعٌ على السلطة بين شريكي المنظومة العسكرية، وهو توصيف يعترف به المجتمع الدولي والرباعية و في تحليلات كبير من المؤسسات البحثية المتخصصة.
تُظهر خريطة الطريق تناقضاً واضحاً مع اتفاق جدة (11 مايو 2023) الذي نص على:
- حماية المدنيين،
- وقف الانتهاكات،
- انسحاب القوات من المناطق السكنية،
- عدم تغيير الأوضاع الديمغرافية بالقوة.
غير أن الخطة الحكومية تعيد توزيع السيطرة العسكرية بقرار أحادي، وتُهمل جوهر اتفاق حماية المدنيين.
أما اتفاق المنامة (يناير 2024)، الذي وقّعه الفريق كباشي وعبد الرحيم دقلو، فقد نص بوضوح على:
- إعادة بناء جيش مهني واحد،
- دمج الدعم السريع وجميع المليشيات،
- إبعاد الجيش عن السياسة والاقتصاد،
- إزالة التمكين،
- والعودة إلى الحكم المدني.
الخريطة الحكومية تتجاهل الاتفاق بالكامل، بل تنسفه من أساسه، ما يجعل الموقف الحكومي الحالي منفصلاً تماماً عن الالتزامات القانونية التي وقّعتها الدولة نفسها.
وضعت الرباعية (السعودية، الإمارات، الولايات المتحدة، مصر) خمسة مبادئ في بيان 12 سبتمبر 2025:
- وحدة السودان وسيادته.
- لا حل عسكرياً.
- حماية المدنيين.
- انتقال مدني لا تهيمن عليه قوة مسلحة.
- وقف الدعم العسكري الخارجي.
خريطة الطريق التي قدمها البرهان تتعارض مع هذه المبادئ واحداً واحداً، وتدفع نحو مسار أحادي يضعف موقف السودان في الإقليم، ويجعل البلاد أكثر عزلة
كل القرائن تشير إلى أن الخطة ليست وثيقة سلام، بل وثيقة لإدارة الحرب.
أسلوبها السياسي واللغوي يعكس رؤية المجموعة نفسها التي دفعت السودان سابقاً نحو انفصال الجنوب والعزلة الدولية.
الخطة لا تهدف إلى إنهاء الحرب، بل إلى:
- كسب الوقت،
- إعادة ترتيب صفوف السلطة،
- خلق واقع جغرافي يخدم بقاء المجموعة الحاكمة،
- دفع دارفور نحو انفصال واقعي.
في مقارنة بين خارطة الحكومة السودانية ومسار الرباعية نجد ان مسار البرهان:
- يمنح الدعم السريع إقليماً مستقلاً.
- يُقصي القوى المدنية.
- يُبقي الجيش في السياسة.
- يفتح الباب لتعدد الجيوش.
- يخلق واقعاً انفصالياً.
- لا يوقف الحرب فعلياً.
بينما مسار الرباعية:
- يوحّد الجيوش والمليشيات في جيش واحد.
- يعيد بناء الدولة.
- يفتح الطريق لانتقال مدني.
- يمنع التقسيم.
- يوقف الحرب بتوازن بين الطرفين.
- يحمي المدنيين.
الفرق بين المسارين هو الفرق بين الحفاظ على السودان … وذهابه إلى التفكك.
ومن غير المعقول – سياسياً ودبلوماسياً – أن تكون الرباعية أكثر حرصاً على وحدة السودان من قيادته العسكرية؛ إذ يفترض أن تنبع مسؤولية الحفاظ على الدولة من داخل مؤسساتها، لا من توجيهات الأطراف الإقليمية والدولية.
يواجه السودان اليوم:
- تفككاً جغرافياً محتملاً،
- انهياراً مؤسسي،
- مجاعة واسعة،
- ملايين الأطفال خارج التعليم،
- غياب اقتصاد فعّال،
- هشاشة شاملة للدولة.
إن خريطة الطريق الحكومية لا تقدّم حلاً، بل تعمّق الأزمة، وتُهيّئ لانفصال دارفور، وتُقصي القوى المدنية، وتوسّع عزلة السودان الإقليمية والدولية.
وعلى قيادة القوات المسلحة — بصفتها إحدى ركائز بقاء الدولة — أن تدرك أن مستقبل السودان أكبر من أي سلطة، وأن وحدة البلاد وسلامة شعبها هما المعيار الأعلى الذي يجب الاحتكام اليه
