هي ليست صفحة عابرة في دفتر الوطن، وليست ظلًّا يمر في الخلفية.
المرأة السودانية هي عمود الضوء في زمنٍ امتلأ بالعتمة، وهي اليد التي حملت الحياة رغم الخراب، وهي صوت الدعاء حين صمتت المدن، وهي آخر ما يسقط حين يسقط كل شيء.
ولأنها كذلك… يصبح الحديث عن إنصافها واجبًا وطنيًا لا يمكن تأجيله.
لقد خاضت المرأة السودانية خلال الحرب الراهنة اختبارًا قاسيًا لم تختر تفاصيله، لكنها واجهته بثباتٍ يُدرَّس.
تحمّلت النزوح، فقدان الخدمات، الخوف المتصاعد، مسؤولية الأبناء، وانهيار الموارد…
ومع ذلك ظلّت واقفة، تتشبث بالحياة كأنها آخر معاقل الوطن.
وفي الوقت الذي خصّص فيه العالم 25 نوفمبر ليكون اليوم الدولي لمناهضة العنف ضد المرأة، يقف السودان أمام جرحٍ أكبر من الشعارات.
فالواقع السوداني يجعل هذا اليوم صرخة أكثر منه مناسبة، وضميرًا يجب أن يستيقظ، لا ورقة تُدوَّن ثم تُنسى.
وفي بيانات سابقة للقوات المسلحة، شددت على أن كل جهة تدعم المليشيات بالسلاح أو تغطي جرائمها تتحمّل مسؤولية جنائية وأخلاقية كاملة، مؤكدة أن العدالة ستطال كل من حرّض أو دعم أو شارك، وأن الحقوق لا تسقط مهما طال الزمن.
لم تكن معاناة المرأة السودانية في هذه الحرب مجرد أثر جانبي للصراع، بل كانت في كثير من الأحيان الساحة الأولى للانتهاكات. فقد وثّقت منظمات دولية ومحلية تعرض نساء وفتيات لأفعال عنف قاسية، شملت الاعتداءات المنظمة، والاعتقال التعسفي، والإيذاء النفسي، والاستغلال، إضافة إلى جرائم خطيرة ارتكبتها المليشيات المسلحة بحق فتيات في أعمار صغيرة، وصلت في بعض الحالات إلى الاتجار بهن عبر الحدود في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني.
هذه الوقائع ليست مجرد تقارير، بل شهادات حيّة على الألم الذي يعيشه المجتمع السوداني، وعلى الحاجة الملحّة إلى حماية النساء، وتأمين حقوقهن، وفتح مسارات قضائية تُحاسِب كل من شارك أو موّل أو وفّر غطاءً لهذه الجرائم. فالإنصاف هنا ليس مطلبًا اجتماعيًا فحسب، بل ضرورة أخلاقية وقانونية تُعيد للضحايا كرامتهن وللوطن توازنه.
لكن الإنصاف لا يكتمل بالبيانات وحدها…
فالمرأة السودانية ما زالت تنتظر:
أولاً: اعترافًا صريحًا بمعاناتها
لا يجوز أن يصبح الحديث عن جراح النساء وصمة أو عارًا.
الصمت ليس حماية…
الصمت خيانة للإنسانية.
ثانيًا: دعمًا نفسيًا متخصصًا
الحرب تركت أثرها العميق على الروح قبل الجسد.
وغياب الدعم النفسي من أكبر الثغرات التي واجهتها النساء حتى اللحظة.
هذا ليس ترفًا… بل حق أساسي.
ثالثًا: عدالة حقيقية لا رمزية
عدالة تفتح الملفات، تُسمّي الجناة، وتُعيد للمرأة كرامتها، وللوطن توازنه.
فالعدالة ليست نصًا… بل فعل.
إن المرأة السودانية اليوم ليست “ضحية حرب” كما يحاول البعض اختصارها،
بل هي شريكة صمود، وحاملة المجتمع على كتفيها، ورمز البقاء حين تتهالك الخرائط.
وإنصافها ليس إنصافًا لفئة…
بل إنصاف لوطنٍ كامل.
فالوطن الذي يهمل نساءه يفقد نصف قوته،
والوطن الذي يقف معهن… ينهض كله.
لقد آن الأوان ألا يُنظر إلى الحديث عن حقوق المرأة كأنه جرأة مرفوضة أو تجاوز.
الجرأة الحقيقية ليست الصمت.
والعار الحقيقي هو التغاضي.
أما قول الحق… فهو بداية الطريق.
يا امرأةً
لم تنكسرْ يومًا… وإن انكسرَ الوطن،
حملْتِ الصبرَ في كفٍّ،
وفي الأخرى تساقطَ كلُّ الزمن…
وقلتِ: ما دام قلبي حيًّا
فلا تنطفئُ المدن…
يا امرأةً
أعطتِ للحربِ ظهرَها…
وللحياةِ بابًا جديدًا فتحته…
سلامٌ لقلبكِ
حيثُ لا يعرف العالمُ
كيف ظللتِ واقفةً
بين ركامٍ
لا يقوى على الوقوف.
توقيعي لا يُنسى
أنا الرسالة حين يضيع البريد…
أنا الوطن حين يخذله الطريق…
أنا امرأة من حبر النار.
سلام وأمان فالعدل ميزان.
عبير نبيل محمد
