تفشت ظاهرة التماهي والانقياد الاعمي لبعض رجالات الادارة الاهليه مع الانظمةالتي تعاقبت علي حكم السودان الوطنيةمنهاوالاستعمارية،حتي اصبحت الادارة الاهليه توصف بصديقه الانظمة، فليس مهما لديها ان يكون النظام وطني عادل او فاشستي متغطرس، وهذا يؤكد الفرضية التي ذهبت الي ان الغرض من انشاءتلك الادارات هي لخدمة الانظمه علي حساب مجتمعاتها.
ظللنا نتابع خلال حرب ابريل ٢٠٢٣م وماقبلها بعض التصريحات غير المعتدلة لبعض رجالات الادارة الاهليه والتي كرست جل هذه التصريحات علي التحريض علي القتل وبث روح الكراهيةوأشاعه الفوضي وتبرير السلب والنهب والاغتصاب وسرقة اموال الناس.والشواهد علي الارض بائنة ولاتخطأها العين. فهي بافعالها تلك قد زجت بالمجتمعات في اتون حرب ضروس قضت علي الاخضر واليابس والحقت ضررا ماحقا بتلك المجتمعات ، مستغلين ولاء الافراد لرجل الادارة الاهليه، فمن اجل سلطة زائفه او حفنة مال او حمية قبلية وعرقية،يدفع بخيرة ابناء القبائل الي طواحين الحرب والزج بهم الي محارق بشريه طاحنه لم يسلم منها حتي النساء والاطفال والعجزةوكبار السن.
- نظام الادارة في عهد السلطنات:
إن النظم السياسية او نظام الادارة في عهدالسلاطين قد اتتسم بالحكمة والقوةولم يعرف للضعف والتماهي سبيلا في بلاط الادارة ،أما الضعف الذي إعتراها اليوم فهو حدثٌ عابر وليس له مايبرره غير الجشع واللحث وراء سلطة زائفه او حفنه من مال ، فالمعايير التي تقاس عليها تلك النظم علي مر العصور هي الجودة في الاداء والعلاقة الايجابية الجيدة بين القيادة ومرؤسيها علي ميزان الخدمات التي تقدم للدهماء وحل المشكلات وفقا للعرف او القانون المنظم للعلاقةبينهما مثل بسط الامن واشاعة الامان ، العدل والمساواة في فصل المنازعات البينية افرادا ومجتمعات.
ليس هناك ما يربط بين مفردة الادارة الاهلية التي قوامها القوةوالعدل والمساواة، ومفردة الضعف التي تعني عدم القدرة علي القيادة واتخاذ القرار الصائب في القضايا الآنية بمعزل عن الاملاءات الفوقية. فمتي ما اجتمعت في رجل الادارة الاهلية الضعف وقلةالخبرةوعدم القدرة علي اتخاذ القرار، فهذا يدل علي ان هنالك خلل ما في الطريقة التي يقود بها رجل الادارة الاهلية مجتمعه وعدم القدرة علي حل المشكلات التي تحدث بين تلك المجتمعات، او انها في الواقع لا تستند الي الاعراف والقوانين التي تزيد من قوتها وحنكتها في فنون الادارة او ربما هي في الاساس هياكل وهميه مجردة من بعض الصلاحيات الاداريه ، او انها صنيعة انظمة حكم فاشستية مستبده استغلت تلك الادارات اوطوعتها كرها وترهيبا للاستجابه لاغراض الجباية والتمليش عند الضرورة لضرب حواضنها الاجتماعية فيما بينها ليسود هو اي النظام القائم بنظرية التفريق. - المفهوم العام للادارة الاهلية:
الإدارة الأهلية بمفهومها العام، تعنى إدارة شؤون القبائل والمجتمعات ممثلة في زعمائها لإدارة شئون المناطق والوحدات الإدارية ( الحواكير ) التابعة لها من خلال قواعد العرف والعادات والأخلاق في ظل إشراف السلطة المركزية ورقابتها، وتتمتع بموجب تلك النظم الإدارية بمجموعة من الصلاحيات والسلطات والاختصاصات المحددة لتؤدي مهام معينة تتعلق بقضايا المواطنين في الحاكورة التابعة له، ولان الادارة في دارفور وعلي مر التاريخ هي السلطه العليا في الدولة ومعنيةبالدرجه الاولي بتصريف شؤونها سلما وحربا،فرجل الادارة هو المسؤول الاول في دائرة اختصاصه ممثلا للسلطان، فالادارة تعني الحكمة والقوة والارادة ،ولكنها قد فقدت هيبتها بعد ان اطلق عليها ( الادارة الاهلية ) وقد بدأت تتقزم وتطمحل رويدا رويدا والسلطة المركزية اصبحت هي مصدر السلطات بديلا للسلطات الادرات الاهلية التي جردت من صلاحياتها واصبحت عبارة عن أداة رمزيه تحت السيطرة الكاملة للسلطة المركزية تسخرها للمهمات ذات الطابع الجبوي او التعبوي.
سلطنة الفور عرفت لقرون متعاقبةعلي انها اقوي سلطنة ولها نظامها المالي والاداري وعلاقاتها الخارجية. فكيف لسلطنة عرفت بالحكم الراشد لعدة قرون حتي نال احد سلاطينها لقب الرشيد ، ولم يأت هذا اللقب عن فراغ وانما مرد ذلك الي الرشد الذي مارسه السلطان عبدالرحمن الرشيد في تصريف شؤون الدولة ( سلطنة دارفور) علي النحو الذي استحق معه لقب السلطان الرشيد . وقد توارث السلاطين الذين جاءوا من بعده رشد الحكم علي ذات المنوال الذي سار عليه السابقين من السلاطين ، فكان السلطان علي دينار اخر سلاطين الفور هو ذروة سنام الرشد والحكمة ، وعلي نهجه سارت كل الادارات التي تأتمر بامره وتحت ظل سلطانه،إذ يتمتع الدمنقاوي والتكناوي والمقدوم والشراتي والعمد والمشايخ بسلطات سلطانيه تضعهم في موقع القوة والمهابه لدي تابعيهم من الافراد والمجموعات العرقيه، فتجدهم طائعين لاحكام العرف السائد ومنفذين للقوانين الصادرة دون تلكؤ.وقد استمر هذا الامر حتي سقوط السلطنه في العام ١٩١٦م.
بعد سقوط سلطنة الفور وضمها الي سلطة الحاكم العام في السودان واصبحت جزءا من مستعمرات المملكة المتحدة، وتعيين مفتش عام علي دارفور ، حيث لا وجود للسلطنة ولا الادارات التابعةلها.وآلت الشؤون الادارية لسلطة الحاكم العام عبر ممثلها في الاقليم وهو المفتش. - الاسباب التي أدت الي ضعف الادارات الاهلية بعد سقوط السلطنة علي يد المستعمر :
١- انشاء ادارات تنفيذية( مديريات) تأتمر بامر السلطة المركزية للمستعمر.
٢- ضم سلطنةالفور رسميا الي السودان في يناير من العام ١٩١٧م مما افقد الادارة الاهلية سلطتها السياسية والاقتصادية.
٣- اصبحت الادارت التي كانت تعمل في عهد السلطان وتحت نفوذه عبارة عن ادارات اهليه ذات صلاحيات محدوده غير تنفيذيه.
٤- انشاء إدارات اهلية جديدة للافراد تدين بالولاء الكامل لسلطة المستعمر .
٥- تهجيم دور الادرات الاهلية ذات النفوذ في عهد السلطان علي دينار وانشاء ادرات اهلية مناوئه.
٦- انحسار دور الادارة الاهلية في الجباية ( ضرائب القطعان – والدقنية)
استمر هذا الوضع في عهد الاستعمار الذي عمد إلي تقزيم سلطة الادارات في عهد السلطنه وتحويلها الي ادارات اهلية ليست ذات وزن سياسي او ذات ادوار تنفيذيه .
ذهبت سلطة المستعمر الي ابعد من ذلك، حيث انشأت إدارات اهلية ليست لها اطيان تحت سلطتها فهي فقط مسؤوله عن ادارة افراد القبيله لتسهيل امر الجبايات للادارة التنفيذيه. وسارت الحكومات الوطنية علي ذات النهج وفي بعض الاحيان تم حل الادارة الاهليه واصبحت لادور لها في الادارة.
خلال سنين حكم الانقاذ التي عمدت الي الاستعانه بالقبائل في حربها ضد الثوار الجنوبيين ولاحقا في حربها ضد حركات الكفاح المسلح في دارفور..ففي دارفور وحدها عينت إدارات اهليه يفوق عددها عشرات الاضعاف لتلك الاداراة القائمة ذات الحواكير المعروفه، ولعل الغرض من ذاك هو اضعاف الادارات التي تناصبها العداء ،فاستطاعت ان تخلق فتنة بين قبائل دارفور والاعتماد في تنفيذ خطتها علي إدارات اهليه هشه همها الاول هو ايجاد موطئ قدم لها في حواكير الغير حتي لو أدي ذلك الي إبادة من هم علي ظهرها والحصول علي الاراضي.
لضمان وحدة السودان وسلامة اراضيه تقتضي الضرورة مراجعه ملف الادارة الاهليه الي ماقبل العام ١٩٨٣م ووضع قوانين ضابطة وصلاحيات محددة حتي وتوحيد ماعون السلطة حتي لا تتقاطع الصلاحيات وانحصار دور رجل الادارة الاهلية في إدارة شؤون افراد القبيله الاجتماعية فقط.
