الحركات المسلحة “الكلفة الباهظة وبؤس الموقف السياسي” .
بإستثناء نموذج العقيد الدكتور جون قرنق القائد المؤسس للحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان ، لم تتمكن قيادات الحركات المسلحة الأخرى التي تشكلت من بعده من تطوير خطابها السياسي ، وقد ظلت قابعة في أماكنها تقوم بترديد نفس الكلمات والعبارات التي استهلكت ولم تعد تواكب ، وقد ظلت غالبيتها أن لم نقل كلها أقرب لرافعي شعارات الحركات المطلبية التي تتحدث عن المظالم المجتمعية ، وقد تخندقت داخل شعار التهميش المرفوع ، بل حتى الحركة الشعبية لتحرير السودان صاحبة الإسم التاريخي بعد غياب مؤسسها د.قرنق عن الحياة وانفصال الجنوب وتأسيس دولة جنوب السودان ، لم تتمكن من الاستفادة من أرث وتجارب ودروس وخطاب وأدبيات مؤسسها . ولدت دولة جنوب السودان غنية بالموارد والثروات ، ولكنها صارت غير قادرة على النهوض والتنمية والازدهار، واقعدتها الصراعات على السلطة بفعل السياسات العرجاء ، وقد برزت فيها مطامع السلطة المتدثرة بغطاء القبلية وطغت على الدولة . دولة جنوب السودان هي من احدث الدول التي انضمت للمنظومة الدولية والأمم المتحدة ، وكان المتوقع أن تقدم النموذج المشرق لشعار مؤسسها (السودان الجديد) والذي وضع لبنتها بعد كفاح طويل أمتد لأكثر من عقدين من الزمن، لم يكتف بالبندقية ودورها ولكنه ظل طوال مسيرته في الكفاح المسلح يخاطب الشعب السوداني عبر راديو الحركة والبرنامج الأشهر (مع الشارع السوداني) وكان يربي جنوده على مراعاة واحترام قواعد الحرب النظيفة من خلال برنامج (القائد مع الثوار ). إن تجارب الحركات المسلحة الحالية صارت كالمسخ المشوه لاستغلال قضايا الهامش في الوصول إلى السلطة، والاغتناء من المال العام ، ففقدت قياداتها الاحترام، وقد صارت اشبه ما تكون لوكلاء بنادق الحرب المنصوبة بلا تمييز من أجل الحصول على السلطة والأموال . ولم يعد هنالك ما يميزها عن الدعم السريع سوى تبادل المراكز لأداء نفس الدور والمهام. في الوسائط هنالك الآن أكثر من مائه لافتة مرفوعة بإسم حركة مسلحة وأن غالبيتها تتواجد في الأسافير أو في قاعات الاجتماعات أو حملات الاستنفار أو ورش الوساطة .
قد لا يعلم الرأي العام السوداني بالجهود التي بذلتها القوى المدنية والحقوقية في تعزيز مطالب الحركات المسلحة في مواجهة النظام البائد ، ودور هذه الجهود في رفع خطاب هذه الحركات المسلحة التي اندلعت خاصة في دارفور من خطاب محلي إلى خطاب قومي فخطاب له تأثيره على المنابر والمحافل الإقليمية والدولية حول عدالة ومشروعية المطالب المرفوعة ، خاصة وأن رأس النظام السابق البشير كان يتحدى ويغالي في تحديه بعد دأنت له السلطة ويقول (الجاك مشمر قابلو عريان) ، وقد دعا علنا إلى تحويل النشاط السياسي السلمي إلى منازلات وحروب مسلحة . لقد شاركت هيئة محامي دارفور والمجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات ضمن عدة قوى حقوقية وأفراد وجماعات في مخاطبة المجتمع الدولي ممثلا في مجلس الأمن الدولي ومجلس حقوق الإنسان ،والمنابر والمحافل الدولية الأخرى بمثل الإتحاد الإفريقي والإيقاد والإتحاد الأوروبي ودول الترويكا وغيرها وذلك لتعزيز المطالب السلمية المشروعة والعادلة المرتبطة بالحقوق والديمقراطية والحريات ونبذ العنف ، وهنالك من لا يعلم بأدوار هامة قام بها العديد من المدافعين الحقوقيين من أمثال الراحل المدافع الحقوقي عثمان حميدة في أروقة المنابر الإقليمية والدولية بشأن ما كان يحدث في دارفور ومناطق السودان الأخرى من انتهاكات لحقوق الإنسان ، والمطالب المشروعة والعادلة لأهل ذلك الإقليم وغيره .
بعد حصاد هشيم الفاشر ، لا بد من الكتابة عن هذه الوقائع والمواقف والتوثيق لها ، ليقوم كل بدوره قبل انقضاء الحياة ،والأجل المحتوم الذي قد يأتي في حين غفلة من المرء ، فالصراع الدائر على السلطة بين قيادتي الجيش وحركة الإسلام السياسي وصنعتهما الدعم السريع من جهة ، والحركات المسلحة التي صارت تستهدف السلطة والثراء على حساب المدنيين من جهة أخرى لا بد من وقفه ، وبذل الجهود لإجبار طرفيه على الالتزام بالوقف الفوري ، وعدم الاكتفاء بالمطالبة بالوقف الفوري للحرب فقط ، بل العمل الدؤوب من أجل انهائها، وعدم تجددها مرة أخرى في المستقبل، وتجنيب المدنيين والدولة المزيد من اسباب النزوح القسري الداخلي واللجوء إلى الدول، وفي الأخبار المتداولة ان سكان مدينة بابنوسة (١٨٣ الف نسمة) قد خرجوا منها وتفرقوا في مضارب الأرض بحثا عن الملاذ الآمن . كما ولا بد من تذكير الحركات المسلحة بأن البندقية فقدت دورها، ولم تعد تصلح سوى لتأتي بالمزيد من القتل والخراب والدمار ، وأن ما يمكن تحقيقه ونيله من مكاسب بالوسائل المدنية بلا اراقة للدماء هو السبيل الوحيد لنيل الحقوق والمطالب المشروعة ويكفي تجربة الاعتصام والتضحيات المتراكمة التي تحولت إلى محاصصة قسمة السلطة والمصالح التي اضاعت دماء شباب الثورة ، والتي لولاها لكانت هذه الحركات المسلحة حتى الآن تتقاتل في مواجهة حميدتي والنظام البائد في أطراف البلاد وقد لا تظهر قياداتها إلا في ورش ومؤتمرات الفنادق المرعية بواسطة الوساطة الخارجية .
الهجوم على أمدرمان في ٨/ مايو/ ٢٠٠٨م .
إثر الهجوم الذي نفذته حركة العدل والمساواة السودانية بقيادة د.خليل إبراهيم على أمدرمان ،وقد وصلت الحركة المذكورة في هجومها المذكور إلى مدخل كبري النيل الأبيض (الفتيحاب) في ٨ مايو ٢٠٠٨م ، ووقتذاك وجه نظام البشير خطابه الانتقامي تجاه المتحدرين من الغرب وابناء دارفور بولاية الخرطوم والولايات المتاخمة لها باستثناء المحسوبين على حزبه او تحالفاته السياسية، وقد تم دمغ النظام البائد الهجوم المذكور على أمدرمان بالأجنبي المسنود بدوافع المؤامرة الدولية على السودان، وفي اليوم التالي للهجوم المذكور بعد ظهور ملامح استتاب الأمور لصالح النظام المرعوب، أطلق ذلك النظام ازرع البطش والتنكيل تجاه أبناء الغرب ودارفور بلا تمييز سوى المحسوبين عليه منهم ، فسارعت هيئة محامي دارفور إلى الدعوة لإجتماع عاجل والنظر في تشكيل هيئة للدفاع عن المتأثرين بالأحداث، وانعقد الإجتماع في اليوم الثالث من الهجوم وقد وصل المحامون والمدافعون الحقوقيون بصعوبة إلى موقع الإجتماع المذكور بمدينة العمارات بالخرطوم، نتيجة لكثرة المتاريس الموضوعة على الشوارع ،وارتكازات الجنود وعناصر الأمن المنتشرة ، وخرج ذلك الإجتماع الذي انعقد بمقر مركز الخاتم عدلان بالإمارات شارع ٥٥ بتشكيل هيئة للدفاع بإسم الهيئة القومية للدفاع عن المتأثرين باحداث الهجوم على أمدرمان برئاسة الأستاذ علي محمود حسنين ود أمين مكي مدني رئيسا مناوبا وعضوية أكثر من ثلاثين من المحامين المدافعين عن قضايا حقوق الإنسان والحريات وآخرين من نشطاء المجتمع المدني ، وما لا تعلمها قيادة حركة العدل والمساواة أو قد تعلمها وتتغافل عنها ، كما ومما قد لا يعلمه الرأي العام السوداني أن المدنيين الذين قتلوا أو اختفوا او فقدوا إثر أحداث الهجوم على أمدرمان ان عددهم لا يقل عن خمسة الف مدني ، وفي خلال المتابعة للمطالبة بالإفراج عن قائمة ضمت أسماء أكثر من خمسمائة كانوا معتقلين أو موقوفين لدى الأجهزة الرسمية، وبموجب طلب رسمي تم تقديمه لوكيل نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة وقتذاك بابكر عبد اللطيف أفاد المذكور بأنه قام بالإفراج عن (٤٨٣) من الموقوفين ،ولم تكن اسماءهم وأردة بالطلب ، كما ولم تكن هيئة الدفاع وقتذاك تعلم شيئا عن المفرج عنهم، ولا أين كانوا معتقلين أو موقوفين واتضح لهيئة الدفاع وجود قوائم أخرى لم تكن معروفة ، هذا المثال مما يكشف عن مدى حجم التوقيف والقتل الجزافي الذي طال العديد من الأبرياء ، كما لا يعرف حتى الآن مصير عشرات الأسرى الذين عرضهم النظام البائد للرأي العام من خلال التلفزيون الرسمي للدولة .
معارك قوز دنقو .
عقب الخسارة التي منيت بها حركة العدل والمساواة بقيادة د.جبريل والحركات الحليفة معها لمعارك منطقة قوز دنقو ، تم اعتقال العديد من قياداتها الحركات المهاجمة . لقد كرر البشير ونظامه وكان في مقدمة معيته حميدتي نفس التهم الجاهزة تجاه الحركات المهاجمة وقتذاك والتي تعرضت للهزيمة بواسطة الدعم السريع وقائده الذي تم في الأساس تجنيد لمحاربتها. لقد اشتركت هيئة محامي دارفور في حملات الدفاع عن الأسرى والموقوفين ، وكان من ضمنهم الأخ إبراهيم الماظ نفسه . لقد تمت إدانة إبراهيم الماظ تحت مواد الجرائم الموجهة ضد الدولة مع رفاقه الأسرى والمقبوض عليهم وادانتهم، والحكم عليهم بالإعدام شنقا حتى الموت ،واستنفذت الأحكام الصادرة ضدهم كل طرق الطعن بكل مراحل التقاضي داخل السودان، وصارت الأحكام باتة جاهزة للتنفيذ ، وتشكلت عدة حملات مناصرة وهيئة حقوقية تقدمت بطعن لدى اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في بانجول والتي قبلت الطعن وخاطبت نظام البشير بإيقاف تنفيذ حكم الإعدام على إبراهيم الماظ ورفاقه المحكومين بالإعدام ، كما خاطبت حملة المناصرة المؤسسات الحقوقية الإقليمية والدولية وعلى رأسها مجلس حقوق الإنسان ، ولولا جهود هذه الهيئات وتصاريف الأقدار لكان إبراهيم الماظ الآن في إحدى مراقد ضحايا قتلى النظام البائد، وما أكثرها من مراقد بعضها معلومة وكثيرهاولا زالت مجهولة حتى الآن .
مغفرة وأكثر من خمسين شهيد ،ولماذا وقف الحرب .
تتعدد الأصوات المطالبة بوقف الحرب ولكل حيثياتها ومبرراتها في المطالبة بوقف الحرب، ولكن العوام من أفراد الشعب السوداني يطالبون بوقف الحرب والحرب الدائرة على رؤوسهم من منطلق المحافظة على الحق في الحياة ، هذا الحق الطبيعي الذي منحه الخالق للمخلوق وأوجب عليه أن لا يلقي بنفسه إلى التهلكة . إن من ضحايا هذه الحرب العبثية أبنتنا الطفلة مغفرة والتي كانت تتهيأ لأداء الامتحانات ، وسقطت دانة على منزل أسرتها بحي الوادي بمدينة نيالا واستشهدت في الحال جدتها (حبيبة) وهي ابنة عمي كما استشهدت امها، كما واستشهدت العشرات منهم صديقي باخت صاحب مدارس باخت بنيالا وابنه . وفي واقعة أخرى سقطت دانة بمنزل ابن خالتي الرشيد وحولته وابنه إلى أشلاء متناثرة وفي اليوم الثاني اقامت الأسرة سرداق للعزاء فسقطت دانة عليهم واستشهد تسعة من افراد الأسرة من بينهم ابن خالي عبد العظيم الذي كان يقوم مع آخرين بشؤون العزاء ، وفي تاريخ لاحق تعرض منزل الشيخ مصطفى حسن لقصف جوى وخرجت ستة جثامين من المنزل المذكور وهم الشهيد مصطفى أبن الأخ يعقوب مصطفى وزوجته وشقيقته وطفله . ففي الأربعة حوادث المذكورة فقط الضحايا (٢٢ شخصا) من الأسرة، وفي حوادث أخرى متفرقة تعدت الحصيلة من الأقارب والأهل، وقتل ابن عمتي عبد اللطيف كوكو وابنه بالفاشر وآخرين كما وقتل ابن خالتي الكاتب الصحفي عبد الله إمام وذلك أمام منزلي بالصالحة ،وأخبار القتل الجزافي تتوالى . احد الأقارب أحصى أكثر من (٦٣ شهيدا من الأقارب والأصهار) الذين قتلوا عقب اندلاع الحرب العبثية في ١٥ أبريل ٢٠٢٣م . فلمصلحة من يموت هؤلاء يا الماظ حتى تطالب مصر أن تترك دور الوساطة والتدخل في الحرب علنا. وهل بالاماكن أن تتوقف هذه الحرب، في الحالة السودانية الحالية بلا تدابير وساطة خارجية ، وقد صارت حرب حواضن اجتماعية ؟
في المقال القادم سنكرر للأخ إبراهيم الماظ لماذا بالضرورة وقف هذه الحرب وذلك قبل فوات الأوان ، وبدق أجراس الانذار . فإذا سارت الأمور والحرب على هذه الشاكلة وبهكذا وتيرة متصاعدة ، ستكون بمثابة النافذة المشرعة للفوضى الشاملة التي ستعم المنطقة باسرها، حتى ولو تدخلت مصر عسكريا أو غيرها في ظل الأوضاع الراهنة على الأرض ، قد لا تتوقف الحرب، بل قد تخرج عن نطاق أسوارها داخل السودان إلى مناطق أخرى.
نسأل الله تعالى اللطف .
