تقف اللجنة الرباعية أمام مشهد ملطّخ بدماء الأبرياء غير عادلة وترجو ما لا يمكن تحقيقه في لحظة فارقة من تاريخ السودان، لكنها مع ذلك تحاول ـ بقدر من البرود المقلق ـ أن تعيد صياغة مصير مليشيا آل دقلو الإرهابية، لا بوصفها جماعة مسلحة متمردة منتهكة لكل الأعراف، بل كياناً سياسياً يُراد له أن يولد فوق جثث السودانيين، وأن يُطبع حضوره في الساحة العامة بمداد الألم والفجيعة.
هذه المقاصد ليست قراءة متعجلة ولا اتهاماً مرسلاً، بل هي حقيقة تتبدى في كل خطوة تُتخذ، وفي كل مبادرة تدفع باتجاه تلميع المليشيا وتحويل سجلها الأسود إلى صفحة بيضاء مزورة.
فالمليشيا التي أحرقت القرى، وقتلت الأطفال، ونهبت المدن، وانتهكت أعراض النساء بلا رحمة، لم تتغير اليوم ولم تعلن توبة، ولم تُلقِ السلاح، ولم تقدّم اعتذاراً، ولم تُبدِ حتى استعداداً للخضوع للقانون أو المساءلة. كل ما تغيّر هو اللغة التي يريد العالم أن يتحدث بها عنها.
لكن أهل السودان يعرفون الحقيقة، لأنهم الذين تجرّعوا كأس العذاب على يدها، وكل مدينة دخلتها هذه العصابة لم تخرج منها إلا وقد صارت جراحاً مفتوحة. فكيف تُمنح اليوم صكاً سياسياً على رقاب من ما زالوا حتى اللحظة تحت نيرانها؟
كل محاولات الرباعية تبدو كأنها تريد من الشعب السوداني أن يبتلع السم في كأس الدبلوماسية، وأن يقبل بمن قتل أبناءه شريكاً في تقرير مصيره. غير أن الشعوب حين تتكلم، تسقط كل الحسابات خلفها. وهذه المرة كان صوت السودانيين أعلى من كل همسات الغرف المغلقة.
الشعب قال كلمته للبرهان وحكومته، بلا مواربة ولا تردد: لا بقاء للمليشيا بعد اليوم في السودان.
لا شرعية لقتلة.
ولا سياسة فوق دماء الأبرياء.
وما دام الشعب هو صاحب القول الفصل، فقد سقطت كل المحاولات الخارجية لإعادة تدوير المأساة. فالسودان اليوم أقوى وعياً، وأشد صلابة، وأكثر تمسكاً بحقه في دولة نظيفة من السلاح المنفلت، ومن الطامعين الذين يريدون أن يحكموا البلاد بالبندقية لا بالصندوق، وبالرعب لا بالرضا، وبالنهب لا بالمسؤولية.
إن المعركة ليست بين طرفين، بل بين إرادة شعب يريد الحياة، ومليشيا لا تحيا إلا على الخراب. ومن كان هذا شأنه لا مكان له في مستقبل السودان، مهما حاولت الرباعية أن تمنحه قناعاً دبلوماسياً يخفي وجهه الحقيقي.
فالسودان الذي صمد عاماً بعد عام أمام النار والدمار، لن يقبل أن يُفرض عليه قاتله شريكاً في الحكم. هذا عهد الشعب، وهذه كلمته، وهذه هي الحدود التي لا تتجاوزها قوة على الأرض.
