السبت, مارس 21, 2026

دهب السودان من إشعال الحرب إلى تمويل الحرب بين أطراف الحرب

بقلم/ سعد محمد أحمد

التساؤل حول إعادة مقالاتنا السابقة يمكن الإجابة عليها لان أمر البلاد أصبح في يد المنظومة الفلولية الجنجويدية تركة نظام الإنقاذ الذي امتد لثلاثة عقود عجاف تراجعت فيها قيم الإنسانية وأصبحت امتلاك الموارد ومفاصل الاقتصاد فضلا لغة السلاح وامتلاكها من تحكم في مصاير البلاد والعباد وتضاعفت ممارسة القتل على الهوية السياسية والاثنية والجهوية والنهب والفساد المادي والإداري الاقتصادي والحروب الأهلية التي كانت تدور في جغرافيات محددة من أرض الوطن والتي لم تجد نخب وطنية راشدة لايقافها لم تترك الان شبرا من أرض السودان والا وامتدت اليها نار الحرب في كل بقاع السودان وعلى يد شركاء الإنقاذ وزبانيته وقود حرب دارفور منذ 2003 شركاء مجزرة الاعتصام والانقلاب ليشعلا حربا ضد الشعب السوداني والسودان أرضا ومواردا حرب عبثية قتلت شردت، دمرت الأرض ومواردها وانسانها وفي الوقت الذي جفت بسبب الحرب موارد اقتصادية من الزرع والضرع وكل الانشطة الإنتاجية والاقتصادية أصبح موارد التعدين ولاسيما سلع الذهب المغذي الرئيسي للحرب ولاستمراريتها إضافة إلى التهريب التي تتم في سلع التعدين والحيوان والمنتجات الزراعية رغم قلتها إلى دول الإقليم والجوار في غياب الدولة وتقنين وشرعنة التهريب كل من أطراف الحرب في حدود سيطرته على الأرض والحدود دون وازع وطني وأخلاقي والغريب في هذا الوضع المازوم سياسيا واقتصاديا وأمنيا أن نشاهد دون أن نصدق ما يحدث أن يكون بنك السودان المركزي طرفا في الموازنات السياسية لتكون ساحة للتنافس بين وحوش المال والاقتصاد تجار موارد البلاد ، في ظل اللادولة يبقى الحديث عن الاقتصاد نوع من العبث هذا ما فرض على أن أعيد نشر ما سطرناه في 31 أكتوبر 2017 لأن الحال امتداد من سيئ إلى أسوأ.

تخصيص وتوزيع الموارد خارج التغطية

شهد السودان متوسط نمو 5٪ فى الفترة بين عام 2004م إلى عام 2008 بسبب إزدهار النفط وبفضل إرتفاع قيمته عالميا وايضا بسبب بعض الاستقرار السياسي بسبب عملية السلام فى تلك الفترة وما صاحبها من إتفاقية نيفاشا وما تبعها من بعض الهدوء فى الحرب رغم استمرار العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل الولايات المتحدة الامريكية ولكن للاسف هذه الفترة لم تشهد اي عملية تنموية حقيقية أو اقامة مشاريع انتاجية بل شهدت الاقتصادى الريعى الذى أفسد الحال الاقتصادى إلا انه مع انفصال الجنوب عام 2011م إزداد ضعف الاقتصاد السودانى حيث أخذ الجنوب معه نحو 75٪ من احتياطى نفط السودان وتراجعت الصادرات وارتفع التضخم ومشروع الاصلاحات السياسية ذهبت ادراج الرياح بمجرد انفصال الجنوب واندلع حروب اهلية اخرى فى جنوب جديد فضلا عن الحرب الدايرة فى دارفور زادت اشتعالا فاشتد مفعول العقوبات الامريكية والحظر المصرفى وانكمش الاقتصاد بشكل كامل وفرض ضرائب تعسفية لسد العجز وعم الفساد والتدخل السياسي امام المستثمرين وعلى سبيل المثال ليس الحصر فى القطاع التعدينى حيث نجد أن اجهزة نافذة وقوية سيطرة على هذا القطاع سيطرة كاملة.
وبما أن أزدهار الامم لم يتم إلا وفق النظام السياسي الحاكم وسياساته وان المؤسسات هى التي تحدد مصائر الامم فالنجاح يأتى عندما تكون المؤسسات السياسية والاقتصادية «أحتوائية» و «تعددية» بحيث تخلق دافع لافرادها جميعا للعمل ومن أجل المستقبل وتفشل الامم عندما تكون «استعبادية» تقوم بحماية الاصول السياسية والاقتصادية لنخبة ضيقة تنتفع من دخول باقى افراد المجتمع «نعود اليه فى مقال آخر».
وبعد رفع جزء من العقوبات والتى تتمثل فى التعامل المصرفى فى البورصة العالمية دعونا نبحث حتى نتمكن من فهم أوضاع الاقتصاد والتنمية فى السودان وقبل ان ننخرط فى تقييم اي سياسة اقتصادية أو مشروع قومى أن نطرح بعض الاستفسارات والاسئلة المهمة للاجابة عليها أولا ودون تقديم اجابات واضحة على هذه الاسئلة من الصعب حيث تصبح عملية التقييم السياسي للقرارات الاقتصادية دربا من دروب العبث ومساراً للغط ومبارزة عديمة الجدوى والقيمة يتعلق السؤال الأول بماهية السياسة العامة الاقتصادية المتبعة من قبل النظام السياسي الحاكم فى عملية التنمية بعد رفع العقوبات وذهاب شماعة العقوبات التى كانت تتكل عليها النظام طوال سنينه والثانية نتساءل عن فلسفة عملية تخصيص الموارد بينما نبحث فى السؤال الثالث عن عملية توزيع هذه الموارد ثم يتعلق السؤال الرابع بعملية التقييم والرقابة على تخصيص هذه الموارد وتوزيعها ليأتى السؤال الخامس ليتناول عملية الاصلاح الاقتصادى واعادة التخصيص أو التوزيع لنترك باقى التساولات لمقبل المقالات فى الايام القادمة لعل وعسى السؤال الاول يحاول أن يفهم فلسفة السياسة الاقتصادية المتبعة هل النظام القائم يسعى الى توزيع الموارد المحدودة على المطالب المتزايدة فى محاولة لتقليل العجز بين العرض والطلب على هذه الموارد ومن ثم الاكتفاء بسد الاحتياجات اليومية للمواطنين دون البحث بالضرورة عن عملية تنمية فعلية لهذه الموارد؟ ام ان فلسفة السياسة الاقتصادية تتعلق بما هو أكبر من مجرد سد العجز نحو البحث عن التنمية فماهي فلسفة هذه التنمية؟ هل البحث عن المزيد من الموارد؟ ام تنمية مهارات القائمين على استخراج هذه الموارد «تنمية واستثمار العنصر البشرى» أم البحث عن وسائل لجذب الموارد الخارجية «مثل الاستثمارات الاجنبية والقروض والمنح» ولكن ماهى هذه الوسائل والضمانات للمقرضين والمستثمرين؟ وهل نحن نبحث عن خطة تنموية قصيرة الأجل لتحقيق أهداف فورية ام عن عملية تنمية متوازنة ومستدامة تبحث عن زيادة الموارد وتنمية مهارات العنصر البشرى القائم على استخراجها مع مراعاة الحفاظ على ندرة هذه الموارد وعدم تأثر مورد بالاستخدام الكثيف لامر «مراعاة عنصر البيئة» مع زيادة فرص الاجيال القادمة فى التمتع بعوائد هذه الموارد؟ والسؤال الثاني يتساءل ببساطة عن من المستفيد الرئيسي من عملية التنمية هذه وهنا توجد سيناريوهات كثيرة هل الهدف هو تخصيص هذه الموارد مباشرة للمواطنين من خلال سياسة تسعي لتمكينهم المباشرة من الاستفادة بعوائد ام ان عملية التخصيص تتم عبر وسطاء كشركات البترول فى عائدات النفط قبل الانفصال التى لم يعرف المواطن عنها شئ واين ذهبت وفيما صرفت هذه العائدات؟ لكن هذا السؤال لم يوقف هنا إذا كانت الدولة ستعتمد على وسطاء فاي عملية وساطة سيتم اعتمادها؟ هل هي عملية ديمقراطية شفافة قائمة على مؤسسات تمثيلية لعامة المواطنين تقوم بعملية مراجعة عملية التخصيص؟ ام هي مؤسسة واحدة قوية ونافذة ستتمتع بهذه الموارد ثم تقرر عملية التخصيص عبر عمليات المخاصصة مقابل الولاء المطلق وتخصيص الموارد لفئات مجتمعية وتنظيمات سياسية بعينها مقابل التوالى والولاء والتاييد السياسي هذا المنهج الذى سلكه النظام وهذه المخاصصة التى أعتمدها النظام طوال تاريخه؟ والسؤال الثالث يظل مرتبطا بالاجابة على السؤال الثانى فسواء كانت عملية تخصيص الموارد هذه مباشرة أو غير مباشرة ديمقراطية تمثيلية ام فردية فما هى ادوات توزيع هذه الموارد والعوائد منها؟ هل هى مجرد زيادة فى المرتبات والاجور والحوافز ام عن طريق فتح فرص استثمارية اكبر ومن ثم موارد دخل اضافية؟ ام هي عملية غير مباشرة لا يتم فيها زيادة الموارد العينية للأسر والافراد على ان توجه الموارد وعوائدها الى دعم السياسات الاجتماعية والتعليمية والصحية للمواطنين ومن ثم تتحول الدولة من مجرد كيان اعتبارى محتكراً لعملية تطبيق القانون وتوزيع الموارد إلى كيان قانونى وسياسي يضطلع بمسئولياته الاجتماعية تجاه المواطنين والسؤال الرابع خطير ومهم وحاسم نسبة لتعلقه بعملية الرقابة على تخصيص الموارد وتوزيعها ومراقبة ومحاربة الفساد إذا كانت الدولة أو احد اجهزتها التنفيذية هي التى تقوم بعملية التخصيص والتوزيع فمن يراقب هذه العملية ويراجعها؟ هل هي مراجعة ذاتية متروكة للأخلاق والضمير؟ ام هي مراجعة مجتمعية متمثلة فى منظمات المجتمع المدنى والمؤسسات الاكاديمية والبحثية بالاضافة إلى وسائل الأعلام؟ ولكن اين منظمات المجتمع المدنى والتى منعت وما تبقى منها جيرت لصالح النظام الحاكم والمؤسسات البحثية والاكاديمية فاقد الشئ لا يعطي ثم أدلجت الاعلام وتحت رحمة النظام فى تسيير أعمالها؟ ام هي مراجعة سياسية نيابية متمثلة فى الاحزاب السياسية والمؤسسات التشريعية على المستؤيين القومي والولائي؟ ام هي مزيج من كل ذلك؟ نعجز عن الاجابة فى مؤسسات تشريعية ونيابية معينة ولا تجيد إلا الابصام!! ام انه لا توجد رقابة من الاساس والامر متروك لتقدير السلطة التنفيذية وأجهزتها القائمة على عملية التخصيص والتوزيع وفقا لما تقتضيه مصالحها؟ ام السؤال الخامس والاخير فى هذا الامر متعلق بمن يملك سلطة وصلاحية اعادة عملية التخصيص والتوزيع لو ثبت بأنها عملية غير مجدية أو غير ناجحة وهذا سؤال مربك ومعقد بعض الشئ لأنه قد يعنى ببساطة العودة للسؤال الثالث «من يقوم بعملية التخصيص والتوزيع» كما انه مرتبط أولاً واخيراً بالسؤال الاخير لانه لا اعادة تصحيح أو ترميم دون محاسبة ومساءلة ورقابة!! هذه الاسئلة عملية ومهمة للغاية الاجابة عليها وليس فى الامر اي تنظير حيث أن كل الدول التى انخرطت بجدية فى عملية النماء والتنمية قامت بتقديم اجابات واضحة بشأن هذه الاسئلة قبل الانخراط فى سياسات هذه التنمية لأن بدء أي مشروع أو خطة اصلاحية دون تقديم جهد واضح للاجابة على هذه الاسئلة يعنى إننا نعبث بمقدرات وموارد البلاد وتقامر بمستقبل الاجيال القادمة وتسير فى درب الدول الفاشلة.
سواء كنت فى خانة السلطة أو المعارضة فكيف نجيب علي هذه الاسئلة فى الشأن السوداني؟ مع عدم الاستقرار السياسي وعدم وجود معلومات كافية واستمرار الحروب الاهلية والنزاعات القبلية والجهوية والطائفية والتى لا يقدم فيها اي طرف من اطراف النزاع برامج سياسية واقتصادية.
لم يستمر السياسات الاجتماعية والاقتصادية القديمة فحسب بل حصل اسوأ من ذلك إذ خضعت الدولة تماما لبرامج صندوق النقد الدولى التى تشمل التقشف وزيادة الضرائب الاستهلاكية والسياسات المعادية للعمل والعمال ثم المفارقات الكبرى.
القناعة السائدة بعد تدمير المشاريع الزراعية والانتاجية الكبرى وذهاب النفط إلى غير رجعة الترويج فى البديل التعدينى والذهب الذى لم يظهر اثره للآن فى الاقتصاد السودانى.
إجابات الاسئلة السالفة فى الحالة السودانية مثيرة للانتباه فمن ناحية السودان يتبع فلسفة قديمة للغاية فى التنمية ليس هناك أي اجابات واضحة بخصوص عملية التنمية اما التنمية البشرية أو السياسات البيئية أو التنمية المستدامة كلها ليس من إهتمامات النظام بل خارج حسابات النظام. النظام يتصرف باعتبار أن التنمية هى عملية استثمار فى بيع الاراضي أو استثمار عقاري وتتصرف اجهزة الدولة باعتبارها مقاولا كبيراً ضخما يسعى إلى احداث طفرة عقارية جمالية فارغة يهدف إلى جذب الاستثمارات واعادة تدوير «وليس توزيع» الموارد المتاحة من اجل هذه الغاية وهى غاية محدودة ومحاولة تقليدية ومبتورة لنموذج التنمية العقارية فى بعض بلدان الخليج وعلى رأسها مدينة دبي لأن العائد الريعي غير حاضرة بالمرة فى الحالة السودانية وهذا واضح ولا يحتاج الى تفسير.
الاجابة على السؤالين الثانى والثالث بطبيعتها غامضة فى الحالة السودانية عملية تخصيص الموارد وتوزيعها تتم اولا دون شفافية ومن ثم يتم تخصيص الموارد بالامر المباشر دون أي مداولات عامة أو مؤسسية تتم عملية تخصيص الموارد باعتبارها اسرار لا يتم الكشف والاعلان عنها لحماية الامن القومى الوطنى من الاشرار ثم يتفاجى الناس بها ويتم الاحتفاء بهذه المفاجأة على أساس إنها غير متوقعة وهكذا فى درب فلسفى ومنطق اقتصادى غريب وغير مفهوم اما الاجابة على السؤالين الرابع والخامس فهى بسيطة ومباشرة لا توجد أي عملية رقابية تتم خارج المؤسسات المعنية فى السودان فهناك قضايا لا يستطيع الاعلام تناولها بحكم القانون فضلا عن تكميم الافواه واخرى بحكم غياب المعلومات وثالثا يحكم المزايدات الفارغة والتشكك فى الانتماءات السياسية لاي صاحب استفسار ناهيك عن صاحب سؤال. بديهى عن عمليات التخصيص والتوزيع والعائد ناهيك عن حقوق الناس الاساسية فى هذه المسألة التى تكفلها الدستور والمرفوض أساساً من قبل النظام.
ما الذى علينا القيام به إذن لاعادة عملية التنمية فى السودان إلى رشدها؟

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات