السبت, مارس 21, 2026
الرئيسيةمقالاتالفاشر تنتصر ...

الفاشر تنتصر بقلم: وائل نورالدين – مونتريال

حفظ الله الإعلامي الفطن الأستاذ طارق المادح، حين نشر على إحدى المنصات التي تجمعنا الأغنية الوطنية الخالدة أنا سوداني بصوت الفنان المناضل الجسور العطبراوي، فأثار لواعج الأشجان والصبابة، لا سيما وهو يهتف منشداً:
كل أجزائه لنا وطن
إذ نباهي به ونفتتن
فقررت أن أكفكف دموعي وأسطر هذه الكلمات، أشارك بها وطني فرحته.

في قلب غربنا الحبيب، وعلى تخوم دارفور، تقف الفاشر شامخة رغم الدمار، حاضرة في الوجدان الوطني كمدينة عصيّة على الانكسار. ما تشهده الفاشر اليوم ليس مجرد صراع على الأرض أو النفوذ، بل اختبار حقيقي لقدرة السودانيين على التمسك بوحدة مصيرهم وإرادتهم في وجه التمزق والاحتراب.

حين نقول “الفاشر تنتصر”، فإننا لا نتحدث عن نصرٍ عسكري في ميدانٍ ما، بل عن انتصارٍ أعمق — انتصارٍ للوعي الجمعي على ثقافة الخوف، وانتصار للمواطن المغلوب على أمره على ظروف الحرب والخذلان.
في أحياء المدينة المدمّرة تتجلّى أسمى صور التضامن، حيث يوزّع الأهالي ما تبقّى من الطعام والماء، ويتقاسمون الألم كما لو كان واجباً وطنياً. وتتناقل الأخبار قصصاً تفيض بالبطولة والصبر من قلب المدينة.

الفاشر تنتصر لأنها تمثل مرآةً لحقيقة الصراع في السودان: صراع بين من يريدون وطناً يتسع للجميع، ومن يسعون لتقسيمه إلى مناطق نفوذ وسلطة. الفاشر تنتصر لأنها واجهت الحصار بالعزيمة، والانقطاع عن العالم بالصبر، والموت المتربص واجهته بالأمل المتجدد في نفوس أبنائها.

لقد أثبتت المدينة أن الحرب، مهما طال أمدها، لا تستطيع محو الذاكرة الجمعية ولا إسكات ضمير الشعب. فالمجتمعات التي تتكاتف في لحظات الانكسار قادرة على إعادة بناء نفسها من الرماد. وفي هذا المعنى، تصبح الفاشر اليوم رمزاً لبداية جديدة — بدايةٍ تعيد تعريف مفهوم النصر، لا بوصفه غلبةً عسكرية، بل كقدرةٍ على النهوض والتمسك بالقيم الإنسانية والوطنية
وكما قال الدكتور مزمل أبو القاسم (شنب الأسد): الفاشر تنتصر لأنها رفضت أن تكون ضحية في معادلة الخراب، وقررت أن تكتب روايتها بنفسها — رواية عن مدينةٍ حوّلت المحنة إلى وعي، والوجع إلى إصرار على الحياة.

ومن هناك، من قلب الغرب الذي كان لسنوات متكفلا بكسوة الكعبة الشريفة وملتقى ثقافي عربي إفريقي زاخر ، تذكّرنا الفاشر بأن السودان، رغم الجراح، لا يزال قادراً على النهوض متى ما اتحد ضميره خلف كلمةٍ واحدة الوطن أولاً وآخيراً.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات