الجمعة, مارس 20, 2026
الرئيسيةمقالاتعندما يحمل الفنان البندقية… وينسى أن الفن سلاح الجمال لا الموت ...

عندما يحمل الفنان البندقية… وينسى أن الفن سلاح الجمال لا الموت بقلم/ مهدي داود الخليفة

في لحظات الأزمات الكبرى، حين ينهار الضمير الجمعي وتتحول الأوطان إلى ساحات دم، يبقى الفنان الحقيقي هو صوت الضمير الإنساني. هو الذي يرفع راية الجمال في وجه القبح، ويدافع عن الإنسان حين يتخلى السياسيون و العسكريون عن إنسانيتهم. لكن ما الذي يحدث حين يُسلِّم الفنان ريشته أو عوده أو صوته للبندقية؟

حين يتحوّل من مبشّر بالسلام إلى جندي في معركة داخلية، يوجه سلاحه نحو صدر أبناء شعبه؟

منذ فجر التاريخ، وقف الفن ضد الحروب.

ففي امريكا، غنّت المغنية الأمريكية جون بايز (Joan Baez) ضد حربٍ فيتنام و اعتبرتها جريمة في حق الإنسانية، وأصبحت رمزًا عالميًا للسلام.
وغنّى بوب ديلان (Bob Dylan) “Blowin’ in the Wind” لتسأل الأجيال: كم من القتلى يكفي قبل أن يدرك الإنسان أنه يسير نحو الهاوية؟
وفي العالم العربي، حمل مارسيل خليفة عوده وقال: “أغني للإنسان في وجه المدفع”.
وفي السودان نفسه، كان محمد وردي و احمد المصطفي و عبدالكريم الكابلي ومصطفى سيد أحمد ومحمد الأمين و إبراهيم عوض و ابو عركي و الموصلي و عمر احساس و البلابل و مني مجدي و نانسي عجاج و شادن، أصواتاً ضد القهر، غنّوا للسلام والحرية، لا للجيوش. ظلوا هم الوطن والحزب الجامع المتجاوز للإثنيات والعرقيات،
غنوا: حنبنيهو البنحلم بيهو يوماتي.. وطن للسلم اجنحتو ضد الحرب أسلحتو
غنوا: احب مكان وطني السودان.. اعز مكان عندي السودان
غنوا : السودان الوطن الواحد على الحريه منو بوصينا!
هؤلاء فهموا أن الفنان ليس جنديًا في ثكنة، بل ضمير الأمة ينبض حين تصطرع البنادق.
في المقابل، يطل علينا اليوم مشهد مقلق. فالفنان جمال فرفور، الذي عرفه الناس مغنيًا محبوبًا في الأفراح و المناسبات الوطنية، ظهر مرتديًا زي القوات المشتركة حاملا بندقية معلنًا أنه “يحمل البندقية منذ أن كان في الخامسة عشرة من عمره”.تصريحه هذا — إلى جانب تاريخه المعروف في العمل بجهاز الأمن والمخابرات خلال عهد البشير — يطرح سؤالًا عميقًا:

هل يجوز للفنان أن ينحاز إلى طرف في حربٍ أهلية؟

وهل من الأخلاق أن يشارك الفنان في آلة قتلٍ توجه نيرانها ضد أبناء بلده؟

إن الفنان الذي يُجنّد في حرب داخلية لا يدافع عن وطن، بل يساهم في تمزيق نسيجه.

ولعل أخطر ما في الأمر أن يتحول الفن إلى أداة دعاية سياسية، بدل أن يكون لغة إنسانية توحّد الناس.

الفنان الحقيقي لا يقف خلف بندقية، بل خلف كلمة تُنقذ وطنًا من الدمار،

حين اندلعت الحرب في لبنان، رفض زياد الرحباني أن يغني لطرف، وقال: ”لا اريد ان اكون صوت الحرب بل صوت للسلام”
وفي جنوب إفريقيا، استخدمت مريم ماكيبا الموسيقى لمناهضة الفصل العنصري، فصار صوتها أقوى من الرصاص.
هكذا يفعل الفنانون الكبار: يختارون الوطن على حساب الولاء، ويقفون مع الشعب ضد الطغيان.
اليوم، والسودان يغرق في دمائه منذ أبريل 2023، يحتاج إلى فن يُعيد الأمل، لا فن يُبرر القتل.

الفنان ليس مطالَبًا بأن يكون محايدًا أمام الجريمة، لكنه يجب أن يكون منحازًا للحياة.

حين يختار فنان أن يحمل السلاح، يفقد صفة الفنان، لأن الفن في جوهره ضد الحرب، وضد تحويل الإنسان إلى قاتل.

على جمال فرفور، وغيره من الفنانين الذين قد تُغريهم السلطة أو البندقية، أن يتذكروا:

أن من غنّى يومًا”للسودان الجميل”، لا يليق به أن يحمل بندقية في وجه هذا السودان.

الفن رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة.

ومن يخون هذه الرسالة، يخسر صوته مهما علت موسيقاه.

فكما قال الشاعر نزار قباني:

“حين يصبح الفن في خدمة السلطة، تموت الأغنية، ويُدفن الوطن.”
ولأن السودان يستحق الحياة، فإن واجب الفنان أن يغني للسلام، لا للحرب،

أن يحمل العود لا البندقية،

وأن يظل صوتًا للشعب،

لا صدىً للرصاص.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات