اليوم أكتب… أنا السودان.
كل ما أعيشه وما يعيشه الملايين من حولي يجعلني أردد هذه الجملة مرارًا: أنا السودان.
الحال واحد، الوجع واحد، والمعاناة واحدة، سواء في الخرطوم، الفاشر، كردفان، أو أي بقعة من وطننا الذي يئن.
الخرطوم ليست عاصمة للسلطة فقط
الخرطوم اليوم ليست مجرد مقرات تُعاد تجهيزها أو مؤسسات تعود للعمل.
الخرطوم اليوم هي صورة لشعب يتشبث بالحياة وسط الخراب:
أم مشردة، أطفال بلا مدارس، أحياء غمرتها الأمطار، منازل لم تعد تقينا المطر أو الغلاء.
الأسعار تتصاعد، المحروقات والخبز ينهشان قوت الناس، والضرائب تنهكهم أكثر.
معاناة لا تُحتمل
لقد فقدتُ منزلي، شُرّدتُ مع أبنائي.
لا يوجد من يعيلنا، وكلما بحثتُ عن عمل، وجدت نفسي أمام سرقة أو انحطاط أخلاقي.
كيف أعلّم أبنائي ورسوم الجامعات خيالية؟
مات معلم وهو يصحح أوراق الشهادة السودانية.
نعم، هو قضاء الله وقدره، لكن المشهد كان أكبر من الموت ذاته:
صفوف طويلة من معلمين صابرين، يعملون رغم ضيق الحال، لأن التعليم رسالة، لا مهنة عابرة.
الكارثة اليومية
الأمطار لم تعد بشرى خير، بل كارثة يومية.
منزلي لا يقيني المطر.
كل خريف نصحو على فيضانات وكوارث فوق كوارث.
الفاشر وكردفان… وجع لا ينتهي
كتبت عن أوجاع الفاشر وكردفان، حيث القرى تنهدم، والمواطنون يكابدون الجوع والفقد، وأطفالهم بلا مدارس ولا مأوى.
كل وجع هناك يعكس قسوة الحياة في السودان، ويجعلنا ندرك أن الخرطوم ليست وحدها من يئن، بل كل الوطن.
دماء الشهداء والفقد
كيف للألم أن يصبر على فراقهم؟
كيف لقلب أن يحتمل فراق أرواح ذهبت بلا عودة، وعن عروس لم ترتدي الطرحة؟
لم أعش هذا الألم شخصيًا، لكن الأرواح واحدة والوجع واحد.
كتبت عن دماء الشهداء والفقد، عن الأمهات اللاتي فقدن أولادهن، وعن الأبناء الذين لم يروا آباءهم يعودون، وعن كل دمعة نزلت في صمت.
كل فقد وكل دماء، جزء من وجعي ووجع كل السودان.
صوت القلم
اختلفت عن غيري فقط في شيء واحد: أنني أملك قلمًا قادرًا على قول الحق.
لكن معاناتي ومعاناة شعبي واحدة.
كتبت “أنا السودان” لأنني أعيش وجع الناس في تفاصيل حياتي، وأذكر أوجاع الفاشر وكردفان، وكل المدن المنهكة.
الوطن اليوم يتألم، لكننا نعلم أن الله معنا وموجود.
الفساد والظلم أثقلا القلوب، لكن ما زال الأمل ممكنًا إذا نهضنا جميعًا.
ولمن بيدهم القرار نقول:
الخرطوم ليست كراسيكم ولا مؤسساتكم… الخرطوم هي نحن، هي الشعب، هي دموع الأمهات وصبر الآباء وضحكة الأطفال التي تختفي يومًا بعد يوم.
إن لم تُنصفوا الناس، فلن يبقى وطن تحكمونه.
وإن لم تُعالجوا الجرح، فسينفجر في وجوه الجميع.
سلام وأمان، فالعدل ميزان.
توقّعي لا يُنسى
أنا الرسالة حين يضيع البريد…
وأنا الوطن حين يتبعثر في المنافي…
وأنا امرأة من حبر النار.