السبت, مارس 21, 2026
الرئيسيةمقالاتالخرطوم بين فكي البنتاغون والسي آي إيه: من يُمسك بخيوط اللعبة؟ ...

الخرطوم بين فكي البنتاغون والسي آي إيه: من يُمسك بخيوط اللعبة؟ بقلم : الطيب الفاتح أحمد الشمبلي : المجد نيوز


في قلب المأساة السودانية، ثمة من يكتب سيناريو لم يُعرض بعد على الجمهور. تُرفع في العلن شعارات “السلام” و”الانتقال الديمقراطي”، بينما تُحرك خلف الستار خرائط ونماذج ما بعد دولة، تُدار فيها الخرطوم كملف أمني/اقتصادي، لا كعاصمة لدولة ذات سيادة. واللاعب المركزي؟ واشنطن. لكنها، كما في أفغانستان والعراق، لا تمسك السلاح مباشرة، بل تُدير من خلف زجاجٍ عازل: البنتاغون، السي آي إيه، شركات السلاح والذهب، وواجهات مدنية تبدو محلية لكنها مفوّضة غربيًا.

فمن يُدير هذه الحرب فعلاً؟ ومن يكتب نهايتها؟

واشنطن: الحَكم المزيّف أم المهندس الخفي؟
يبدو الخطاب الأميركي كأنه موزّع على غرف منفصلة:

البنتاغون ينظر للجيش السوداني بوصفه الضامن الأخير لمنع ولادة قاعدة روسية على البحر الأحمر. لكنه لا يثق بقدرته السياسية.

السي آي إيه تُفضّل تفكيك المركز، والتعامل مع وحدات صغيرة من السلطة المدجّنة، تُدار عبر المجتمع المدني “الممَول” لا المجتمع الحقيقي.

شركات الذهب والطاقة لا تكترث بالسيادة. تريد بيئة رخوة، يحكمها سكون البندقية وصمت الدولة.

هنا، لا توجد “سياسة أمريكية” موحدة. بل بازار مصالح، لكل جهة أدواتها وسرديتها وخريطتها الخاصة.

لماذا لا تدعم واشنطن الجيش؟ أو… لماذا تُحيّده عمدًا؟
السؤال المحظور الذي لا تطرحه أغلب التحليلات:

هل تتعمد واشنطن تحييد الجيش السوداني، ليس لأنه ارتكب أخطاء، بل لأنه العقبة الأخيرة أمام تفكيك الدولة؟

في عراق ما بعد 2003، حُلّ الجيش لأنه يشكّل البنية الصلبة للسيادة. وفي ليبيا، أُعيد رسم السلطة على يد الميليشيات. فهل النموذج السوداني هو الحلقة التالية؟ جيش محاصر سياسيًا، ومُش demonized إعلاميًا، تمهيدًا لإعادة بناء “دولة بلا جيش”، بل بلا مركز.

السي آي إيه… إعادة تعريف “من يحق له أن يحكم”
في تقارير شبه سرية، يُشار إلى أن الوكالة تدعم “وجوهًا مدنية” لا علاقة لها بالقواعد الاجتماعية أو بالأحزاب التاريخية، بل تمثّل ما يُمكن تسميته بـ”مجتمع السفارات”. هذه الشخصيات تُستخدم كواجهة لتحول سياسي ليس مطلوبًا فيه “تمثيل الشعب”، بل إعادة إنتاج السلطة وفق مقاسات ما بعد وطنية.

النتيجة؟ سلطة تُصاغ من الخارج، بأدوات الداخل، ومصطلحات ناعمة: “إصلاح القطاع الأمني”، “إعادة هيكلة”، “انتقال مدني شامل”… كلها عناوين تُخفي تفكيك الدولة.

شركات السلاح والذهب: كلما طال أمد الحرب، زادت الأرباح
لا يُخفى على المراقبين أن مناطق النزاع تُستخدم كحقول اختبار للأسلحة، وكبوابات تهريب للذهب والمعادن. فهل دارفور مجرد ضحية صراع إثني؟ أم أنها تتحوّل بهدوء إلى منجم مفتوح لقوى وشركات لا ترى الخرطوم إلا كممر؟

تُشير تقارير دولية إلى نقل ذهب عبر طائرات خاصة من مطارات غير خاضعة للسيادة الرسمية، بعضها تحت سيطرة ميليشيات مدعومة إقليميًا. فأين تقف واشنطن من ذلك؟ صمتٌ مُريب. لأن الذهب قد يكون أثمن من الديمقراطية.

الخرطوم: من عاصمة إلى “منصة” نفوذ؟
في نموذج ما بعد الدولة، تتحول العواصم إلى مجرد منصات:

تُدار عبر فاعلين فوق وطنيين.

يُعاد فيها تعريف “الشرعية”.

وتُحوّل جغرافيتها من حيز وطني إلى رُقعة تنافس مفتوحة.

فهل هذا ما يُراد للخرطوم؟

وهل السيادة الوطنية ما تزال هدفًا أمريكيًا، أم عبئًا ينبغي “إدارته”؟

خريطة المصالح: من بورتسودان إلى الجنينة
البحر الأحمر: واشنطن تخشى السيطرة الروسية على موانئه أكثر من انهيار السودان ذاته.

دارفور: لا تكترث لمعاناة السكان، بقدر اهتمامها بمن يسيطر على الذهب.

الخرطوم: ليست موطن السلطة، بل مركز الضغط. يُعاد رسمها لتكون شبيهة بـ”المنطقة الخضراء” في بغداد.

خاتمة: هل السودان أمام هندسة “صناعة الدولة”؟ أم “نزع الدولة”؟
واشنطن قد لا تحتاج إلى “احتلال السودان”، بل إلى تسليمه لبيئة من القوى المبعثرة، المتناحرة، التي تستهلك نفسها، وتحتاج الخارج لتتنفس.

السودان اليوم ليس في حرب أهلية فقط، بل في مفترق وجودي:

إما أن يُعاد بناءه على أسس وطنية بمرجعية شعبية.

أو يُعاد إنتاجه كمحمية نفوذ، تدار عبر الوكالات والواجهات والشركات.

والسؤال الكبير:

هل الكلمة الأخيرة تُكتب في البيت الأبيض؟ أم في الجبهة، حيث لا صوت يعلو فوق البندقية التي لا تُباع ولا تُشترى؟

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات