إن الاستثمار في وجع الإنسان عندما يتحول إلى احتكار مقنن، وتغدو العافية سلعة باهظة لا يتقن تسعيرها إلا جشع القطاع الخاص، تتشكل لوحة قاتمة من الانكسار المجتمعي. طالما استبد القطاع الخاص بالخدمة العلاجية، محيلاً المشافي والمراكز الطبية إلى أسواق مالية تبتز دماء الضعفاء وتساومهم على أرواحهم، حتى جاءت تجربة التأمين الصحي لتكسر هذا الطوق الاحتكاري، وتعلن بصراحة لا تقبل التأويل أن حق العلاج ليس امتيازاً للثراء، وإنما فريضة وطنية وأخلاقية تضطلع بها الدولة حين تشتد الأزمات وتضيق على الناس المعايش.
إن القراءة الفاحصة لهذا النموذج الخدمي المتقدم تكشف عن تخطيط استراتيجي محكم أدار معركة البقاء باقتدار، متجاوزاً حدود الإسعافات الموسمية إلى بناء منظومة صحية متكاملة تتسع لكل تفاصيل الوجع الإنساني. لقد أثبت القائمون على هذا الصرح قدرة فائقة على إعادة هندسة الواقع الصحي، بحيث لا تقتصر الخدمة على مجرد وصفة دواء، ولكنها تمتد لتغطي سلة الفحوصات الدقيقة والعمليات الجراحية المعقدة عبر شبكة واسعة من المنافذ التي تقترب من المواطن حيثما حل، لتغدو هذه المؤسسة درعاً واقياً وبلسماً شافياً يعيد ترميم الثقة بين المواطن والدولة في أقسى الظروف.
أما على المحك الاقتصادي، مثلت هذه التجربة طوق نجاة حقيقي في وجه غلاء ترمدت له الأسر وانكسرت دونه الدخول المنهكة، حيث كانت فاتورة العلاج الخاصة كفيلة بابتلاع ما تبقى من مقومات الحياة المعيشية، فجاءت مظلة التأمين لتصمت لغة الجشع وتوفر حماية مالية وأمنية تضمن استقرار المجتمع من جذوره. فالأمن الصحي هو الركيزة الصلبة لأمن الوطن، وحين يطمئن الفرد على سلامة أسرته وتأمين رعاية طبية راقية تليق بكرامته الإنسانية، تتلاشى دوافع الهلع وتتكسر موجات الإحباط على صخرة الكفاية والعدالة الاجتماعية.
إن هذه الزوايا المشرقة والناجزة تحتم علينا إعلامياً ووطنياً أن نرفع الغطاء عن محاولات التهميش، وأن ندق ناقوس الواجب لالتفاف الدولة بكل مؤسساتها حول هذه التجربة الرائدة ورعايتها بالدعم المادي والسياسي اللازم لتتمدد ولا تنكمش. إن التأمين الصحي اليوم لم يعد مرفقاً لعبور أزمة، إنما خط الدفاع الأول عن بقاء المواطن، وتجربة فريدة تستحق أن تُحمى بالتشريعات والقرارات الجريئة لتظل شاهداً حياً على أن إرادة الدولة متى ما خلصت، استطاعت أن تعيد للعافية وجهها وللإنسان اعتباره المفقود.
