لم تعد أحزاب اليهود الأرثوذكس المتشددين (الحريديم) “الشركاء الطبيعيين” وحجر الزاوية في استقرار ائتلافات نتنياهو، بل تحولت إلى عقبة رئيسية قد تحرمه من تشكيل الحكومة.
وتتشابك التطورات السياسية والقانونية لتجعل من ملف الحريديم أحد المحركات الأساسية لإعادة رسم الخارطة السياسية في إسرائيل.
أولاً: معضلة قانون التجنيد: معركة البقاء الائتلافي
مثّل قرار المحكمة العليا القاضي بإلزام المتدينين بالخدمة العسكرية، وتجميد الميزانيات المخصصة لـ”اليشيفوت” (المدارس التلمودية)، ضربة موجعة لشبكة الأمان السياسية لنتنياهو.
- تصلب الأحزاب الحريدية: تتمسك أحزاب مثل “شاس” و”يهدوت هتوراة” بمطلب تشريع قانون يمنح الإعفاء الكامل لطلاب المعاهد الدينية.
- الضغط الشعبي والعسكري: في المقابل، يرفض الرأي العام وممثلو الجيش واليمين الليبرالي أي قانون يشرّع ما يصفونه بـ”التهرب من التجنيد”، الأمر الذي يضع نتنياهو بين سندان الوفاء لشركائه الحريديم ومطرقة السخط السياسي والشعبي.
ثانياً: التراجع الانتخابي وتقلص المقاعد
شهد التمثيل البرلماني للتيار الحريدي تراجعاً ملموساً، إذ انخفض إلى نحو 13 مقعداً مقارنة بـ18 مقعداً في السابق.
- فقدان الأغلبية المطلقة: تسبب هذا الانكماش في تآكل كتلة “اليمين والحريديم” التابعة لنتنياهو، وجعلها عاجزة عن حشد الأغلبية المطلوبة (60 مقعداً) لتشكيل الحكومة دون تقديم تنازلات كبرى.
- استنزاف قوة المناورة: جعل تراجع المقاعد شروط الحريديم أشد تصلباً، وقلّص في الوقت نفسه قدرة نتنياهو على مناورة أطراف المعارضة.
ثالثاً: المعارضة وتكتيك الإغراءات والمناورة
تستثمر أحزاب المعارضة، بقيادة شخصيات مثل غادي آيزنكوت ويائير لابيد ونفتالي بينيت، ملف التجنيد وتراجع الحريديم لفرض واقع سياسي جديد.
وثمة عدة سيناريوهات للحكومة البديلة المحتملة بدون نتنياهو. إذ تسعى “كتلة التغيير” والمعارضة الإسرائيلية إلى الإطاحة ببنيامين نتنياهو وتشكيل حكومة بديلة، عبر مسارات تحاول تجاوز عقبات عديدة وصعبة، أبرزها الفجوات الأيديولوجية وتناقض التعهدات الانتخابية.
وتتحرك الخارطة السياسية الإسرائيلية حالياً حول أربعة سيناريوهات أساسية لتشكيل حكومة بدون نتنياهو:
السيناريو الأول: “حكومة تغيير هشة” (بدعم من الأحزاب العربية)
يقوم هذا المسار على جمع كتل المعارضة (قادة الوسط واليمين المعارض واليسار) لتشكيل أغلبية تتجاوز 60 مقعداً.
- آلية التشكل: يعتمد هذا المعسكر على أصوات قوى مثل حزب نفتالي بينيت ويائير لابيد وغادي آيزنكوت، مع الاستعانة بشبكة من الأحزاب العربية مثل “القائمة الموحدة” في التصويت على الثقة.
- نقطة القوة: تتيح السيطرة الفورية على الكنيست واستبدال رئيسه، وسنّ قوانين تمنع نتنياهو من العودة إلى المنافسة السياسية، وتشكيل لجنة تحقيق رسمية.
- العقبات: رفض قادة في كتلتي آيزنكوت وبينيت التحالف الصريح، أو تشكيل ائتلاف يعتمد على الأحزاب العربية، وهو ما يشكل عائقاً كبيراً أمام هذا السيناريو.
السيناريو الثاني: “ائتلاف المعارضة والحريديم” (بدون نتنياهو والعرب)
يقود هذا التوجه قيادات في المعارضة تسعى إلى اختراق كتلة “اليمين والحريديم” التابعة لنتنياهو.
- آلية التشكل: منح الأحزاب الحريدية (“شاس” و”يهدوت هتوراة”) تسويات مرنة بشأن قانون التجنيد وميزانيات المدارس الدينية، لدفعها إلى الانسحاب من ائتلاف الليكود والانضمام إلى كتلة المعارضة.
- نقطة القوة: يمنح الحكومة أغلبية شديدة الاستقرار دون الحاجة إلى الأصوات العربية، ويُفقد نتنياهو أوراقه الأساسية.
- العقبات: يتطلب تنازلات تتناقض مع الوعود الانتخابية لبعض أحزاب المعارضة العلمانية، مثل “إسرائيل بيتنا” بقيادة أفيغدور ليبرمان الذي يرفض الشراكة مع الحريديم، إضافة إلى مقاومة قيادات حريدية ترتبط شخصياً بنتنياهو.
السيناريو الثالث: “حكومة وحدة بديلة” (انقلاب داخلي في الليكود)
في حال استمرار حالة الانسداد وتكرار فشل نتنياهو في حشد الأغلبية، قد تتبلور ضغوط من أحزاب المعارضة باتجاه حزب “الليكود” نفسه.
- آلية التشكل: التوصل إلى اتفاق بين معسكر المعارضة وحزب الليكود، شريطة تنحي نتنياهو أو تخليه عن رئاسة الحزب والائتلاف، لتشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة يترأسها بالتناوب قيادي آخر من الليكود.
- نقطة القوة: ينهي حالة الاستقطاب، ويشكل حكومة موسعة قادرة على اتخاذ قرارات أمنية واقتصادية كبرى.
- العقبات: إن قبضة نتنياهو الحديدية على الليكود وولاء القيادات الداخلية له يجعلان احتمال الإطاحة به من داخل حزبه أمراً صعباً، ويستوجبان الحذر في الوقت الراهن.
السيناريو الرابع: الفشل والذهاب إلى انتخابات جديدة (حكومة تسيير أعمال)
إذا استمرت الشروط المتبادلة بين المعارضة والحريديم، وبقي رفضهم التحالف مع القوائم العربية، فستكون النتيجة العجز عن بلوغ 61 مقعداً.
- آلية التشكل: يُحل الكنيست وتتجه البلاد إلى جولة انتخابات جديدة، وتستمر الحكومة الحالية بوصفها “حكومة تسيير أعمال”.
- نقطة القوة: يُعد هذا السيناريو خياراً استراتيجياً يناسب نتنياهو في بعض المراحل، إذ يتيح له المناورة، وترويج فكرة “سرقة الانتخابات”، أو انتظار تغيّر الظروف في الإقليم.
- العقبات: يؤدي إلى استمرار الأزمة السياسية والاقتصادية دون معالجة حقيقية للملفات العالقة، كالتجنيد والحرب.
الخاتمة
في ختام هذا المشهد السياسي المعقد، يتبين أن قضية الحريديم لم تعد مجرد تباين في وجهات النظر حول الإعفاء من الخدمة العسكرية أو توزيع الميزانيات، بل أصبحت إنذاراً مبكراً بفك ارتباط تاريخي ظل يمنح بنيامين نتنياهو شبكة أمان صلبة طوال العقود الماضية.
وقد وضع تقاطع الضغوط القانونية الصارمة من المحكمة العليا، وتصاعد السخط الشعبي والعسكري، إلى جانب التراجع الانتخابي لمقاعد الأحزاب الحريدية، نتنياهو أمام خيارات أحلاها مرّ؛ فهو إما أن يرضي شركاءه الأرثوذكس ويخاطر بتفكك ائتلافه تحت ضغط الرأي العام واليمين الليبرالي، أو يستجيب للمطالب الوطنية فيخسر الظهير السياسي الذي طالما اعتمد عليه.
وفي المقابل، يجد معسكر المعارضة، رغم تنوع سيناريوهاته وتناقضاتها الأيديولوجية، في هذا الملف ثغرة استراتيجية غير مسبوقة، سواء أفضت الأزمة إلى تشكيل حكومة تغيير هشة، أو نجحت في استقطاب الحريديم بتسويات تاريخية، أو قادت البلاد نحو انتخابات مبكرة. وفي كل الأحوال، يقف الواقع السياسي في إسرائيل عند نقطة تحول مفصلية؛ فقد فقد نتنياهو قدرته المطلقة على المناورة، وباتت مفاتيح استمراره في السلطة أو خروجه منها بيد حلفائه الأقرب بالأمس.
بقلم / عميد شرطة (حقوقي) م
محمد علي عبدالله عبد الدائم
#الحريديم_مفتاح_إخراج_نتنياهو #تشكيل_الحكومة_الاسرائيلية
#المعارضة_وتعقيد_المحاصصة
