الأحد, نوفمبر 8, 2026
الرئيسيةمقالاتسيكولوجية المزاج السوداني في التعاطي السياسي"ما بشبهونا"… كيف تدير العاطفة دولة؟ ...

سيكولوجية المزاج السوداني في التعاطي السياسي”ما بشبهونا”… كيف تدير العاطفة دولة؟ كتب: أمين عبدالماجد أحمد أمين


مبادرة الونسة

تكمن المشكلة في سيكولوجية المزاج السوداني في تعاطيه مع السياسة، ذلك المزاج البارد الذي يعاير السياسة ويقيسها على العاطفة: الحب والكراهية.

قصة من أرشيف الحرب التي تجري بين ظهرانينا حتى الآن

كنموذج دامٍ لعمل هذه المفردة كآلية فرز أودت بحياة الكثيرين.

فقد تعرض الكثير من المواطنين العالقين بمنازلهم في الخرطوم بعد قيام الحرب في الخامس والعشرين من أبريل 2023م، إلى اقتيادهم من قارعة الطريق بعد أن قيسوا على مسطرة “ما بشبهونا” العشوائية.

من يحمل سلاحاً، لا يرتدي زياً عسكرياً، لا يعمم رأسه “بكدمول” أو مبروم شعره على نمط “الراستافاريا”، لكنته العربية، اسمه، حتى إنفاقه على نفسه وعلى أسرته دون عمل وما إلى ذلك، هي مدخلاً لاتهامه بالانتماء للاستخبارات حتى يثبت العكس.

بطل هذه القصة: مواطن اسمه الحقيقي “صلاح” يسكن بالسلمة الخيرية مربع (1)، اقتيد بعد أن اشتبه فيه بعد أن قيس على مسطرة قانون “ما بشبهنا”، وأُخذ إلى سجن سوبا سيئ الذكر، حيث تعرض للتعذيب والضرب المبرح، ومورس عليه سلاح التجويع وعدم توفير العلاج، والذي كان سبباً لوفاة الآلاف ممن احتجزوا داخله. ولقد صمد في هذا الأمر لثوابته العامة، وقد نجا بأعجوبة.

ذات يوم سمع أحد سجانيهم ينادي باسمه: صلاح، يا صلاح، فما كان منه إلا وقد لبى النداء بنعم، رغم أنه كان على علم بأنه ليس صلاح المعني، لأنهم يعلمون بأنه قد فارق الحياة منذ مدة. فقد ذكر أنه دائماً ما يموت منهم أحد وعلى رأس الساعة، ولا يسمح لهم بالتبليغ، وكانوا يجمعونها بعد أن تتراكم ليدفنوها في مقابر جماعية.

لقد تجرأ على أن يتماهى مع الأمر على أنه صلاح صاحب الاسم، وقد انطلى عليهم الأمر، وحالفه الحظ في أن يُطلق سراحه، وأُخذ في عربة ورُمي به في شارع الردمية بناحية حي أزهري شرق. وكان في هزال وإعياء شديد لا يقوى بسببه على المشي، فصار يزحف زحفاً باتجاه منزله، وهو في هذه الحالة إذ بعدد من منسوبي قوات التمرد مسلحين على دراجة هوائية يتوقفون بالقرب منه، وهو لا يقوى على التحدث معهم. قال أحدهم: دعوني أتمه، لأنه “أبلده”، أي يعني أنه ينتمي إلى الجيش، لذلك يريد أن ينهي حياته ويمضي. فرد عليه أحدهم: اتركه، هو ميت، لا تخسر فيه طلقة! ومضوا في حال سبيلهم وتركوه.

استأنف زحفه متمسكاً بالحياة وأمل اللقاء بزوجته وأسرته، إلى أن وصل، وكانت تنتظره مفاجأة من العيار المحبط.

وقف أمام باب بيته طويلاً، لا يقوى على الوقوف، ولا يقوى على النداء. رفع يده بصعوبة وقرع الباب. ولما فُتح له، لم يتعرف عليه أولاده. وقفوا أمامه في دهشة وخوف، ينظرون إلى رجل غريب لا يعرفونه، وهو مصدوم، لا يستطيع أن يقول: أنا أبوكم.

تعرفت عليه زوجته وأخذته إلى الداخل، وتحدثت إليهم في محاولة لإقناعهم بأنه والدهم، إلا أنهم ظلوا بين النكران وعدم التصديق، فقد كان شبه عارٍ، وما تبقى عليه رث للغاية، بلغ من الهزال حده ووهن القوة، يمشي على جسمه القمل والقراد، كث اللحية تصل إلى حد الصرة، رائحته نتنة، لم يستحم ولم يتسوّك منذ اعتقاله حتى عودته إلى بيته على هذه الهيئة المقرفة التي تثير الغثيان.

لحسن حظه كانت زوجته تعمل في الحقل الصحي، مما مكنها هذه الخبرة من الاهتمام والاعتناء به. يقول إنه قد حُقن بحوالي الـ (400) قارورة من المحلول الوريدي الأنواع المختلفة حتى تعافى تدريجياً، واستأنف عمله كسائق ركشة بعد أن غيّر مجال عمله السابق، حيث كان يعمل في مكان للفحص الآلي بالخرطوم.

لقد كاد الاشتباه أن يودي بحياته لولا العناية الإلهية التي أنقذته، كحال المئات الذين تعرضوا للقتل والتعذيب وامتهنت حقوقهم المدنية والإنسانية من أبناء هذا الوطن المأزوم.

هذه ليست حكاية صلاح وحده، هذه هي الآلية. القصة هنا نموذج توضيحي يكشف آلية، وليست تعميماً إحصائياً.

يتبع في الجزء الثاني…

#مبادرة_الونسة_الجادة

#المزاج_السوداني #التعاطي_السياسي
#مابشبهونا. #ادارة_الدولة #أمين_عبدالماجد_أحمد_أمين

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات