يبدو أن العالم قد تقدم في كل شيء إلا الخيانة! فقد اخترع الإنسان الطائرة بلا طيار، والسيارة بلا سائق، والهاتف بلا أسلاك، ولكنه حتى الآن لم يخترع خيانة بلا خائن! ولعل السبب أن التكنولوجيا، مهما بلغت من الذكاء، لا تستطيع أن تصنع ضميرا فاسدا؛ فهذه صناعة بشرية أصيلة، تتوارثها بعض النفوس كما تتوارث العائلات الأمراض المزمنة!
وفي زماننا العجيب، لم تعد الخيانة تحتاج إلى حصان طروادة، ولا إلى جاسوس يرتدي معطفا أسود ونظارة قاتمة، ولا إلى رسالة سرية تخبأ داخل رغيف خبز. لقد أصبحت المسألة، عند من يختارون هذا الطريق، أكثر بساطة: هاتف ذكي، وضمير غبي، وحساب مصرفي ينتظر مكافأة نهاية الوطنية!
وإذا كانت الطائرات المسيرة التي تستهدف منشآتنا الحيوية تنطلق من الخارج، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل أجهزة الأمن والاستخبارات هو: هل تجد من الداخل من يقدم لها المعلومات أو يسهل مهمتها؟ ومن يرصد الأهداف؟ ومن يكشف الثغرات؟ ومن المستفيد من إصابة محطات الكهرباء والمياه والمرافق التي يعيش عليها المواطن البسيط؟
إنها أسئلة خطيرة تستوجب التحقيق، لأن الخيانة لا تثبت بالظنون، ولا يجوز أن يتحول اختلاف الرأي السياسي إلى قرينة اتهام. لكن احتمال الاختراق الداخلي يظل مسألة أمنية لا تحتمل التهاون.
والعجيب في أمر الخائن، أينما وجد، أنه يظن نفسه شريكا استراتيجيا للقوى الكبرى! يرسل المعلومة، وينتظر المقابل، ويتخيل أن اسمه أصبح محفوظا في دفاتر التاريخ. ولا يدري المسكين أن اسمه ربما لا يتجاوز خانة «المصروفات النثرية» في ميزانية الجهة التي تستخدمه!
أما الذين يشترون الخيانة، فهم أكثر الناس معرفة ببضاعتها. يعرفون أنها رخيصة مهما ارتفع ثمنها، وأن صاحبها لا يؤتمن، وأن من باع وطنه مرة يستطيع أن يبيع مشتريه مرتين، وربما يمنحه تخفيضا بمناسبة نهاية الموسم!
ولأن القرآن الكريم لم يترك أمر العدوان بلا ميزان، فقد قال الله تعالى:
﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين﴾ [البقرة: 194].
إنه ميزان العدل في رد العدوان، لا دعوة إلى الانتقام الأعمى، ولا ترخيص لاستهداف الأبرياء. فالدولة التي تحترم سيادتها تملك حق الدفاع عن شعبها وفق الضوابط الشرعية والقانونية، وترد على الاعتداء بما يحفظ أمنها وكرامتها.
أما الخيانة فقد حسم القرآن أمرها بكلمات قليلة لا تحتاج إلى لجنة تفسير ولا مؤتمر صحفي:
﴿إن الله لا يحب الخائنين﴾ [الأنفال: 58].
ولعل أشد ما يضحكني في فلسفة الخيانة أن صاحبها قد يحدثك عن الوطنية حديثا يجعل العلم نفسه يخجل من قلة حماسته! وربما يطالبك بالدفاع عن السيادة، بينما هو مستعد، في الخفاء، لتأجير ضميره لمن يدفع أكثر.
وهناك فرق كبير بين من يعارض حكومة ومن يعادي وطنا؛ فالحكومات تتغير، والوزراء يرحلون، والكراسي تدور، أما الوطن فلا يملك المواطن نسخة احتياطية منه إذا احترقت النسخة الأصلية!
ولذلك فإن حماية السودان من المسيرات ليست مسألة صواريخ ورادارات فحسب، وإنما قضية أمن قومي متكاملة. نحتاج إلى دفاع جوي حديث، واستخبارات يقظة، وحماية إلكترونية متطورة، وتأمين محكم للمنشآت الاستراتيجية، ومؤسسات قادرة على اكتشاف الاختراق قبل أن يتحول إلى كارثة.
فليس من الحكمة أن نشتري أغلى منظومة دفاع جوي في العالم، ثم نترك أبواب المعلومات مفتوحة لمن يدخل ويخرج وكأنه في سوق الجمعة!
والحقيقة أن الطائرة المسيرة، على خطورتها، أكثر وضوحا من الخائن؛ فهي على الأقل لا تدعي أنها جاءت لتقديم واجب العزاء بعد القصف!
أما الخائن فيستطيع أن يحضر الجنازة، ويبكي مع الباكين، ويطالب بتشكيل لجنة تحقيق، وربما يتطوع لعضويتها، حتى يطمئن إلى أن التحقيق يسير في الاتجاه الذي لا يصل إليه!
وهنا تبلغ الكوميديا السوداء ذروتها: حين يصبح المتسبب المحتمل في الكارثة، إن ثبت تورطه، واحدا من أكثر الناس حماسا للمطالبة بكشف أسبابها!
ولكن التاريخ، ذلك العجوز الذي لا يقبل الرشوة، له ذاكرة عجيبة. قد يتأخر في فتح ملفاته، لكنه لا يمنح الخيانة شهادة حسن سير وسلوك.
وكم من خائن ظن أنه اشترى مستقبله بثمن وطنه، فاكتشف في نهاية الرحلة أنه باع الوطن بالتقسيط، وخسر نفسه بالجملة!
والأطرف أن بعض الخونة يتصورون أن الجهة التي استخدمتهم ستقيم لهم تمثالا تكريميا. والحقيقة أنها، إذا أقامت لهم تمثالا، فقد تضع تحته عبارة: «يرجى عدم الاقتراب.. قابل لإعادة البيع»!
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الصراخ بقدر حاجته إلى مزيد من اليقظة. ولا يحتاج إلى توزيع تهم الخيانة على الناس، وإنما إلى كشف الخيانة الحقيقية بالأدلة، ومحاسبة مرتكبيها بالقانون، وسد الثغرات التي تسمح للعدوان بالوصول إلى مقدرات الشعب.
وأخيرا..
أقول لمن يتوهم أن بيع أسرار الوطن تجارة رابحة: تذكر أن الأسواق قد ترتفع فيها أسعار الذهب والنفط والعملات، لكن سوق الخيانة وحده ينتهي دائما بإفلاس البائع أخلاقيا، حتى لو امتلأت خزائنه بالمال.
فالمسيرة قد تحتاج إلى قمر صناعي كي تصل إلى هدفها، أما الخائن فلا يحتاج إلى قمر؛ يكفي أن تنطفئ في داخله شمس الضمير!
وإذا كانت المسيرات تطير بلا طيار، فإن الخيانة تسير بكامل طاقمها: بائع، ومشتر، ووسيط، وفاتورة، وربما شهادة ضمان!
لكن المشكلة أن الضمان الوحيد في هذه التجارة هو أن المشتري سيحتقر البائع، وأن التاريخ سيحتفظ بالفاتورة!
وستبقى الأوطان أكبر من تجارها، وأبقى من خائنيها، وأعز من أن تختصرها إحداثيات على شاشة هاتف.
#السودان أولا.. #جيش واحد، شعب واحد، #وطن واحد.
