الجمعة, أكتوبر 23, 2026
الرئيسيةمقالاتمستشفى الولادة بأم درمان .. نهضة من رماد الحرب ومسؤولية تتجاوز حدود...

مستشفى الولادة بأم درمان .. نهضة من رماد الحرب ومسؤولية تتجاوز حدود الإدارة بقلم : علي يوسف تبيدي


تشكل عودة مستشفى الولادة بأم درمان للعمل بعد الحرب ، اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة والمجتمع على إعادة بناء المؤسسات الصحية وضمان استدامة خدماتها ومن هذا المنطلق ، تبرز أهمية الجهود التي يشهدها المستشفى لاستعادة دوره في صحة النساء ، كما تبرز الحاجة إلى تحويل الدعم الحالي إلى مشروع متكامل للنهوض الطبي ، لا تتوقف ثماره عند حدود إعادة التأهيل ، بل تمتد إلى جودة الرعاية واستمراريتها وإنقاذ الأرواح.
لقد تعرض هذا الصرح الطبي ، الذي ارتبط لعقود بخدمات النساء والتوليد في السودان ، لظروف قاسية جراء الحرب وما صاحبها من اقتحام وهجوم وأضرار ومع ذلك ، فإن الرهان اليوم لا ينبغي أن يقتصر على تجاوز آثار الماضي ، وإنما يجب أن يتجه نحو بناء مؤسسة أكثر قدرة على الاستجابة للاحتياجات الصحية ، وأكثر استعداداً لمواجهة الأزمات المستقبلية.
وفي هذا السياق ، تبرز جهود الإدارة بقيادة المدير العام ، الدكتور عماد الدين عبد الله ، استشاري النساء والتوليد ، وطاقمه الإداري والطبي ، في العمل على تطوير الأقسام الطبية وتعزيز التجهيزات والارتقاء بالخدمات.
وهي جهود تكتسب قيمتها الحقيقية بقدر ما تنعكس على حياة المواطنين ، وتؤسس لتحسين مستدام في مستوى الرعاية المقدمة للأمهات.
إن تحديث المعدات وتجهيز الأقسام خطوة مهمة ، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة نهضة طبية فالمؤسسات الصحية القوية تقوم على كوادر مؤهلة ، وتدريب مستمر ، وبيئة عمل مناسبة ، ونظم فعالة تضمن سلامة المرضى وجودة الرعاية.
ومن هنا ، تأتي أهمية ورش العمل والسمنارات والمؤتمرات والنشاط الأكاديمي والبحث العلمي في رفع كفاءة الكوادر ومواكبة التطورات الطبية كما يشكل التثقيف الصحي والإرشاد وسيلة أساسية لتعزيز الوعي بمخاطر الحمل والولادة ، وترسيخ ثقافة الوقاية والتدخل المبكر
وتظل الغاية الأساسية من كل هذه الجهود واضحة وتتمثل في أن تجد النساء والأمهات رعاية آمنة ، وأن يحصل الطفل على بداية صحية سليمة ، وأن تكون الخدمات الطبية متاحة بالكفاءة والسرعة اللتين تفرضهما طبيعة هذا التخصص الحساس.
حيث لا تنحصر رسالة المستشفى في استقبال الحالات وعلاجها ، بل تمتد إلى المجتمع عبر العيادات المجانية والقوافل الطبية ، فضلاً عن سجلات المواليد والإحصاءات الصحية التي تدعم التخطيط وتساعد على تحديد الاحتياجات.
وتزداد أهمية هذه الخدمات في ظل الأعباء الاقتصادية والإنسانية التي خلفتها الحرب ، إذ تحتاج الأسر إلى خدمات صحية ميسرة ، وتحتاج المؤسسات إلى توسيع نطاق وصولها إلى الفئات الأكثر احتياجاً وهنا يصبح الدور المجتمعي للمستشفى جزءاً أصيلاً من رسالته ، وليس نشاطاً جانبياً
الدعم الرسمي والمجتمعي :
ويمثل اهتمام وزارة الصحة الاتحادية والولائي ، وحرص والي ولاية الخرطوم الاستاذ أحمد عثمان حمزة ، جانباً مهماً من مساعي دعم المستشفى ، كما عكست زيارة رئيس مجلس السيادة ، الفريق أول عبد الفتاح البرهان ، وما قدمه من دعم ، والاهتمام بأهمية هذا الصرح الطبي ودوره في خدمة المواطنين.

ويضاف إلى ذلك دور المبادرات الخيرية والمنظمات الوطنية والأجنبية في مساندة جهود التطوير وتوفير الاحتياجات الطبية والتدريبية غير أن التحدي الأساسي يتمثل في ضمان استمرارية هذا الدعم وتوجيهه وفق أولويات واضحة ، تشمل صيانة المعدات ، وتوفير الأدوية والمستهلكات ، وتحسين بيئة العمل ، ودعم الكوادر الصحية
فالمؤسسات الصحية لا تستعيد عافيتها بالدعم العابر وحده ، وإنما تحتاج إلى التزام طويل الأمد وخطط قابلة للتنفيذ والمتابعة والتقييم.
لذلك فإن استعادة مستشفى الولادة بأم درمان لمكانته لا ينبغي أن تُقاس بحجم التجهيزات أو كثافة المبادرات فحسب ، بل بما تحققه من تحسن فعلي في الخدمات ، فالمواطن يريد أن يجد رعاية آمنة ، واستجابة سريعة ، وكوادر مؤهلة، وإمكانات تساعد على التعامل مع الحالات الحرجة.
وهذا يتطلب رؤية واضحة للتطوير ، وتمويلاً مستداماً ، ومتابعة لجودة الأداء ، مع وضع سلامة الأم والطفل في مقدمة الأولويات فالمطلوب ليس العودة إلى ما قبل الحرب فحسب ، بل الاستفادة من دروسها لبناء مؤسسة صحية أكثر كفاءة وقدرة على الصمود.
إن مستشفى الولادة بأم درمان ليس مجرد مرفق طبي عريق ، بل مؤسسة ترتبط رسالتها بحياة الأمهات والأطفال ومستقبل الأجيال ومن ثم ، فإن النهوض به مسؤولية مشتركة بين الإدارة والكوادر الصحية والدولة والمنظمات والمجتمع ،
والزاوية الأساسية التي ينبغي أن تحكم النظر إلى هذه التجربة هي أن إعادة تأهيل المستشفى تمثل بداية الطريق ، أما النجاح الحقيقي فيكمن في ضمان استدامة خدماته وتحويل التطوير إلى رعاية أفضل تنقذ الأرواح وتحفظ كرامة المرضى ، عندها فقط تصبح جهود التعافي نهضة طبية حقيقية ، ويستعيد هذا الصرح العريق دوره الرائد في خدمة النساء و الأمهات بالسودان.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات