حين نتحدث عن تآكل القيمة، يتجه الذهن غالباً إلى تراجع قيمة العملة، كما يحدث للجنيه السوداني في ظل الضغوط الاقتصادية الراهنة. لكن هناك نوعاً آخر من التآكل لا يظهر في شاشات أسعار الصرف، ولا تقيسه مؤشرات التضخم وحدها، وهو تآكل القيمة الحضرية للمدينة.
فالمدينة قد تحتفظ بمبانيها وطرقها وأراضيها، ومع ذلك تتراجع قيمتها إذا ضعفت الخدمات، وتدهورت البنية التحتية، وانكمش النشاط الاقتصادي، وفقد الناس ثقتهم في قدرة المؤسسات على إدارة شؤونها. عندها لا تكون المشكلة في الأصول الموجودة، بل في ما أصبحت قادرة على تقديمه للسكان.
ما الذي يجعل المكان ذا قيمة؟
لا تتحدد قيمة الأرض أو العقار بموقعه ومساحته وحدهما. فالموقع الجيد يفقد كثيراً من ميزاته إذا تعذر الوصول إليه، أو انقطعت عنه المياه والكهرباء، أو ابتعد عن المدارس والمرافق الصحية وفرص العمل.
ومن هنا، تختلف القيمة الحضرية عن القيمة العقارية التي تعكسها أسعار السوق. فالقيمة الحضرية تتشكل من مجموع المنافع التي يوفرها المكان، ومن علاقته بشبكات الحركة والخدمات والأنشطة الاقتصادية، ومن جودة البيئة التي يعيش فيها الناس.
وقد ترتفع أسعار بعض العقارات بفعل المضاربة أو ندرة المعروض، بينما تتراجع البيئة العمرانية المحيطة بها. لذلك لا يكفي ارتفاع السعر للحكم على تحسن المدينة، كما لا يكفي انخفاضه وحده لقياس حجم الخسارة الحضرية.
الحرب وما وراء الدمار
في السودان، اتسعت الخسائر الحضرية بفعل الحرب، ولم تعد المسألة مقتصرة على المباني التي دُمرت أو تضررت. فقد تعطلت خدمات، وتضررت شبكات البنية التحتية، وغادرت أسر مساكنها، وتراجعت أنشطة اقتصادية، وفقدت أحياء قدرتها على أداء أدوارها المعتادة.
وقد يكون المبنى قابلاً للترميم، لكن عودة الحياة إليه تتوقف على أمور تتجاوز جدرانه: طريق يمكن استخدامه، ومياه تصل بانتظام، وكهرباء مستقرة، وخدمات قريبة، وفرص عمل تسمح للسكان بالاستقرار.
إذا أُعيد تأهيل المبنى وبقيت هذه العناصر معطلة، فإننا نكون قد استعدنا جزءاً من الأصل المادي، لكننا لم نستعد بعد كامل المنفعة التي كان يوفرها.
ولهذا، ينبغي ألا يقتصر تقدير خسائر الحرب على تكلفة المباني والمنشآت المتضررة. فهناك أيضاً خسائر ترتبط بتعطل الوظائف الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع كفاءة المرافق، وانقطاع الروابط بين السكن والعمل والخدمات. وهذه خسائر تحتاج إلى معالجة مختلفة عن أعمال التشييد والترميم.
خسائر لا تظهر فجأة
تآكل القيمة الحضرية لا يحدث دائماً نتيجة حرب أو كارثة. فقد يبدأ تدريجياً عندما تتأخر صيانة الطرق وشبكات المياه والصرف، أو تتراكم النفايات، أو تُترك الأراضي والمباني دون استخدام مناسب، أو يتوسع السكن بعيداً عن الخدمات وفرص العمل.
وتزداد المشكلة حين تنفذ المؤسسات مشروعاتها بمعزل عن بعضها. فقد يُنشأ تجمع سكني من دون أن تواكبه الخدمات اللازمة، أو يُنجز مرفق عام من دون توفير ميزانية تشغيله وصيانته، أو تُستثمر أموال في أصل جديد بينما تتدهور أصول قائمة يمكن أن تخدم عدداً أكبر من السكان إذا أُعيد تأهيلها.
في مثل هذه الحالات، لا تكون الخسارة في الأموال التي أُنفقت فحسب، بل في المنافع التي كان يمكن أن تستمر لسنوات لو أُحسن التخطيط والإدارة.
وهنا تظهر أهمية صيانة الأصول القائمة إلى جانب إنشاء أصول جديدة. فإصلاح شبكة تخدم عدة أحياء قد تكون له أولوية أكبر من تنفيذ مشروع منفصل، كما أن إعادة تشغيل مرفق متوقف قد تحقق منفعة أسرع وأقل تكلفة من بناء مرفق بديل.
كيف نحمي القيمة الحضرية؟
إدارة المدينة لا تعني أن نضيف إليها مشروعات جديدة باستمرار، بل أن نحافظ أيضاً على ما تملكه من أصول، ونضمن أن تؤدي هذه الأصول وظائفها بكفاءة.
ويبدأ ذلك بمعرفة حالة الأراضي والمباني والمرافق، وتحديد احتياجات صيانتها، وترتيب المشروعات وفق أثرها الفعلي على حياة السكان. كما يتطلب ربط قرارات التخطيط والتمويل والتنفيذ، حتى لا يُتخذ قرار في قطاع يؤدي إلى إهدار استثمار في قطاع آخر.
ولا تقل إدارة الأصول أهمية عن إنشائها. فالمشروع الذي لا تتوافر له موارد التشغيل والصيانة قد يتحول مع الوقت إلى عبء مالي، حتى لو حقق نجاحاً عند افتتاحه. والمخطط السكني الذي لا يرتبط بشبكات الخدمات والنقل والأنشطة الاقتصادية قد يوفر وحدات للسكن، لكنه لا يضمن قيام حي قادر على الاستمرار.
وفي الخرطوم، تزداد أهمية هذه المسألة مع اتساع احتياجات التعافي ومحدودية الموارد. فليس من الممكن معالجة كل الأضرار في وقت واحد، وهو ما يجعل ترتيب الأولويات ضرورة. ينبغي أن نعرف أي التدخلات تعيد أكبر قدر من الوظائف إلى المدينة، وأيها يساعد السكان على العودة والاستقرار، وأين يمكن للموارد المحدودة أن تحقق أثراً أوسع.
القيمة التي تنتجها الاستثمارات العامة
هناك جانب آخر يستحق الاهتمام، يتعلق بالعلاقة بين الاستثمار العام وقيمة الأراضي المحيطة به.
فعندما تُعبّد الطرق، وتصل المياه والكهرباء، وتتحسن الخدمات، قد ترتفع قيمة الأراضي والعقارات في المنطقة. وهذا أمر طبيعي، لكن السؤال هو: كيف يمكن أن تسهم هذه الزيادة في دعم التنمية التي أسهم الاستثمار العام في تحقيقها؟
يمكن التفكير في آليات عادلة وشفافة لاسترداد جزء من القيمة التي تنشأ بفعل التحسينات العامة، وتوجيهها إلى تمويل الخدمات والبنية التحتية ومشروعات التطوير الحضري. ويتطلب ذلك إطاراً قانونياً ومؤسسياً واضحاً، يحفظ حقوق الملاك، ويمنع التعسف، ويضمن ألا تتحول الفكرة إلى عبء غير عادل على السكان.
المهم أن ننظر إلى الأرض باعتبارها مورداً عمرانياً واقتصادياً، وأن ندير استخدامها بما يحقق منفعة للمدينة وسكانها، لا أن تظل قرارات تخصيصها أو تطويرها منفصلة عن تكاليف الخدمات والعائد العام.
إعادة الإعمار فرصة لتغيير طريقة العمل
تتيح مرحلة ما بعد الحرب فرصة لمراجعة بعض الممارسات التي أسهمت في ضعف كفاءة العمران قبل الحرب. فليس المطلوب أن نعيد بناء ما تهدم بالطريقة نفسها، ثم نواجه الاختلالات ذاتها بعد سنوات.
قد تكون الأولوية في منطقة ما لإعادة تشغيل مركز اقتصادي، وفي منطقة أخرى لإصلاح شبكة مياه أو طريق يربط عدة أحياء، بينما تحتاج منطقة ثالثة إلى تأهيل مساكنها وخدماتها حتى يتمكن سكانها من العودة. ويجب أن تُحدد هذه الأولويات وفق حالة كل منطقة واحتياجات سكانها، لا وفق سهولة تنفيذ المشروع أو حجم المنشأة وحده.
ومن هنا، فإن نجاح إعادة الإعمار لا يُقاس بعدد المباني التي أُنجزت فقط، بل بما استعادته المدينة من وظائف، وبمدى تحسن وصول السكان إلى الخدمات والعمل، وبقدرة المشروعات الجديدة على الاستمرار دون أن تتحول إلى أعباء إضافية.
وهذا يتطلب تنسيقاً فعلياً بين مؤسسات التخطيط والإسكان والأراضي والخدمات والتمويل، مع وضوح المسؤوليات وتوافر بيانات تساعد على متابعة التغيرات في المدينة. فالأولويات التي تُحدد في بداية التعافي قد تحتاج إلى مراجعة مع عودة السكان وتغير توزيعهم وظهور احتياجات جديدة.
من قيمة الجنيه إلى قيمة المدينة
تراجع قيمة الجنيه يضعف القوة الشرائية للأسر ويرفع تكلفة المعيشة. أما تآكل القيمة الحضرية فينعكس على قدرة المدينة نفسها على توفير السكن والخدمات وفرص العمل والحركة الآمنة.
وترتبط المسألتان أكثر مما يبدو للوهلة الأولى. فالضغوط الاقتصادية تقلل قدرة المؤسسات والأفراد على صيانة الأصول، وتراجع الخدمات والبيئة العمرانية يرفع تكاليف النشاط الاقتصادي ويضعف جاذبية الاستثمار. وهكذا يمكن أن تتراكم الخسائر، ويصبح التعافي أكثر صعوبة.
كسر هذه الحلقة لا يتحقق بإعادة البناء وحدها، ولا بتعبئة الموارد دون تحديد واضح لأولويات استخدامها. إنه يحتاج إلى تخطيط يربط المشروعات باحتياجات السكان، وإدارة تحافظ على الأصول، ومؤسسات تنسق أعمالها، وتمويل يراعي تكلفة التشغيل والصيانة إلى جانب تكلفة الإنشاء.
لقد علمتنا الحرب أن فقدان المباني قد يحدث في وقت قصير، لكن استعادة الحياة التي كانت تدب فيها تحتاج إلى جهد أطول. وربما تكون هذه إحدى أهم القضايا التي ينبغي أن تحضر في تفكيرنا حول إعادة إعمار الخرطوم: كيف نحافظ على ما نعيد بناءه، وكيف نجعل كل استثمار جديد إضافة حقيقية إلى حياة المدينة؟
فكما نحتاج إلى حماية القوة الشرائية للجنيه، نحتاج إلى حماية القيمة الحضرية للمدينة؛ لأن التعافي لا يكتمل بعودة المباني وحدها، بل بعودة قدرتها على خدمة الناس، وفتح فرص العمل، وإتاحة حياة مستقرة وكريمة.
#تآكل_القيمة_الحضرية
