تتجلى في المسار السياسي السوداني، الممتد لأكثر من سبعة عقود، ظاهرة مستحكمة تتمثل في الفجوة البنيوية بين النظرية والتطبيق، والاتساع المستمر للمسافة الفاصلة بين الأطر المفاهيمية المعلنة والممارسة الواقعية على الأرض. فالمناداة بالمدنة مثلا تُجاور في الأغلب رغبة مضمرة في التوسل بأدوات القوة لإمالة كفة الصراع، والمطالبة بإرساء العدالة تتراجع فور تعارضها مع المصالح الفئوية الضيقة. لا يُعزى هذا الازدواج إلى مجرد مناورات تكتيكية أو تقلبات فرضتها ظروف التحول السياسي، بل يشير إلى (انفصام في الوجدان السياسي) واختلال في بيئة الممارسة النخبوية. لقد أفضى هذا التباين إلى تشكيل (نمط سلوكي مزدوج) يُظهر خطابا مبدئيا غنيا بالقيم الكلية، ويُبطن أداءً نفعيا محكوما بمنطق المنفعة المباشرة وصراع البقاء.
إن الجذور العميقة لهذا الانفصام ترتبط ارتباطا وثيقاً ببنية التكوين التاريخي للأحزاب السياسية السودانية، إذ نشأت غالبية هذه الكيانات متكئة على مرتكزات تقليدية أو أيديولوجية مغلقة، واعتمدت في تنظيمها على والولاءات المسبقة، كالقبلية والجهوية والعقائدية ما أدى إلى غياب البيئة المؤسسية داخل الأحزاب نفسها،التي تحول بعضها من أداة للتنشئة الوطنية والتأطير الفكري إلى منصة لإعادة إنتاج العصبيات وحشد التأييد النفعي. ونتيجة لذلك، عجزت الكيانات الحزبية عن تقديم مشروع لإنتاج (المواطنة الجامعة)، وظلت تتعامل مع الدولة باعتبارها مساحة للمحاصصة وتوزيع الغنائم السياسية.
من جانب آخر، يرجع تشظي السلوك السياسي إلى غياب (التربية الوطنية) والتوافق على مفهوم (الثوابت الوطنية). لقد أدى الفصل القسري بين الممارسة السياسية والضوابط الأخلاقية إلى ترسيخ مفهوم يتنصل من المرجعية الأخلاقية، حيث أصبحت الاستقامة الفكرية والاتساق بين المبدأ والموقف يُنظر إليهما في أدبيات التنافس السياسي كنوع من السذاجة أو الخلل التكتيكي. وفي المقابل، تحوّل التلون السياسي والتكيف الانتهازي إلى سلوك اعتيادي في الممارسة السياسية الحزبيه. إن هذا الخلل السلوكي يعكس أزمة في مفهوم الثوابت الوطنية لدي النخب التي تركت الثوابت الجامعة بلا حراسة فكرية،وتعمدت إغفال المحافظة على (الآليات الوطنية الضامنة ) التي تشكل المظلة الاستراتيجية لحفظ كيان الدولة وسيادتها بعيداً عن أطماع التجاذب الحزبي والجهوي
ويضاف إلى هذه العوامل الهيكلية أيضا تراكمات الإحباط وتكرار الانقطاعات الدستورية، مما خلف (فراغاً مرجعياً) لدى الفاعل السياسي والمواطن على حد سواء.
لقد أدى الانقطاع المستمر في تجارب التحول السياسي إلى غياب التراكم التنظيمي والمعرفي، فغابت الرموز الملهمة وتراجعت هيبة المؤسسات، وأصبح السلوك السياسي محكوماً بآليات الدفاع النفسي والارتياب المتبادل. وبدلاً من أن تُشكل التجربة السياسية رافعة للنضج، أصبحت ساحة لتكريس (السيولة المبدئية)، حيث تتبدل المواقف تبعاً لتغير الموازين دون الاستناد إلى عقد اجتماعي متماسك أو رؤية فكرية مستقرة.
بناء على هذا التشخيص، فإن معالجة هذه الظاهرة لا تكمن في إعادة إنتاج الشعارات أو استبدال الطبقات السياسية بوجوه جديدة، بل في (إعادة هيكلة العقل السياسي السوداني) وإصلاح البيئة التنظيمية للعمل العام الذي يبدأ بالإصلاح الفكري وبتأسيس (معيارية وطنية جامعة) تفصل بين التنافس الحزبي المشروع وبين الثوابت الاستراتيجية للدولة، وتصون المؤسسات والآليات التي تحظى بإجماع وطني كضرورة لوجود الدولة واستمرارها. إن استعادة الاتساق الأخلاقي تتطلب تحويل المواطنة من مفهوم إجرائي إلى قيمة أخلاقية والتزام مؤسسي. كما أن حماية الدولة من التفكك تقتضي بالضرورة وجود إرادة تُعلي من شأن الاتساق المبدئي، وتدرك أن بقاء الكيان الوطني مرهون بمدى قدرة نخبه على تجاوز الازدواجية السلوكية لصالح مشروع استراتيجي يضع سيادة الوطن وثوابته فوق كل اعتبار حزبي أو فئوي.
