هل تذكرون قضية مدير مكتب والي ولاية القضارف، محمد عبدالرحمن (جيفور)؟ لمن لا علم لهم بتفاصيل هذه النازلة؛ دعونا نرفع الستار عن بعض خفاياها المستترة. إنها ليست مجرد قضية إدارية عابرة، بل هي أكبر وأضخم عملية اعتداء على المال العام تمر على ولاية القضارف منذ تأسيسها.
لكن المدهش والمثير للدهشة حقاً، أن قائمة الاتهام لم تُسجل سوى اسم شخص واحد فقط: مدير مكتب الوالي! نعم، رجل ليس له أدنى صلة بالشأن المالي، ولا علاقة تنظيمية له بوزارة المالية. وظيفته الحصرية هي تنظيم العمل الإداري لمكتب الوالي وتنفيذ توجيهاته، بلا صلاحية لتوقيع شيك حكومي، ولا مراجعة مستند، وليس جزءاً البتة من الدورة المستندية لأي معاملة، ولا يمتلك حق توجيه إدارات المالية أو التصرف في أموالها ملّيماً واحداً.
وعلى الرغم من كل ذلك، وُجد الرجل وحيداً في مواجهة تنيّنين الفساد، ليقضي أشهراً طوالاً خلف القضبان، قبل أن تنصفه عدالة القضاء وتصدر حكم براءته.
أين ذهبت الأموال؟
ويبقى السؤال الذي يقرع ضمائر الرأي العام بلا توقف: إذا تمت تبرئة مدير مكتب الوالي المقال، فأين ذهبت تلك الأموال الطائلة موضوع الفساد والاتهام؟
ربما نجد الإجابة الشافية لدى وزارة المالية بولاية القضارف، التي تتفرغ جزئياً هذه الأيام ويا للعجب لإكمال الطابق الثاني بمنزلها الفاخر في حي “كرفس”!
لقد ذهب الأستاذ “جيفور” إلى حال سبيله، وبقي الفساد شاهداً باقياً وباغياً. وهنا يبرز السؤال المشروع: هل قُدَّ قميص “جيفور” من دُبُر لتبرئة الساحات الحقيقية، أم هنالك من راودتْه نفسه على المال العام وهمَّ به؟
معادلة المسؤولية والنزاهة
إذا كنتُ مديراً لإدارة أو مسؤولاً عن مؤسسة حكومية، فلن أسمح لنفسي أبداً بتمرير عمل مالي مشبوب أو “متسخ”، ولن أتهاون في إخضاع أي معاملة مالية للشراء أو التعاقد لدورة مستندية صارمة ونظيفة. سأتبع نظاماً إدارياً ومالياً يُحاكي صرامة المنظمات الدولية المحترمة، أقطع به الطريق على لصوص المال العام، وأمنع بواسطته أي عملية توظيف أو منفعة مشبوهة يكون طرفها موظفاً أو مسؤولاً يمتلك سلطة القرار أو التأثير عليه.
وحين يأتي الحديث عن تأسيس شركة متخصصة في الطرق والجسور تعمل بالباطن مع حكومة الولاية بأربعة ترليونات جنيه، فإن المعادلة واضحة: إذا تمكنتُ من إنجاز ذلك بنزاهة مطلقة، فسأكون أول المدافعين عن الإنجاز؛ أما إذا تهاونتُ وفشلتُ في تأمين هذا المبلغ الضخم وفق معايير شفافة تحميه من أي شبهة أو ارتداد، فستكون استقالتي الفورية هي الحد الأدنى، لأن المال العام ليس ملهاة.
تقول لي: كبري وأسفلت؟! فلتذهب تلك المشاريع والمليارات إلى الستين إن كان طريقي ممهداً على أشلاء الأمانة والشفافية.
باقي الكلام ..
إن دفاتر القضارف لن تطوى، وملفات المال العام المنهوب لن تغتسل بألوان التبرير الضحلة، مهما تستر المتسترون أو تمترس تجار الأزمات خلف الشعارات الرنانة. إن العدالة الناجزة ستبقى تراقب، وعيون الشرفاء لن تنام عن حقوق إنسان هذا الشعب الأبيّ.
آخر الكلام..
إن كان في العمر بقية، وفي الحبر بقايا صدق، فإننا سنكشف قريباً عن المستور ونزيح الستار عن بقية الفصول والأرقام والمستندات.. ولنا عودة!
