د.نجلاء حسين المكابرابي
لم تعد الأزمة بين إريتريا وإثيوبيا هي خلاف حدودي أو توتر دبلوماسي ؛ فالتطورات الأخيرة تكشف عن أزمة تتداخل فيها ثلاثة ملفات استراتيجية: أمن البحر الأحمر، الحرب في تيغراي، وإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي.
في الأول من أكتوبر 2026 أعلنت إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، بعد أن أغلقت أديس أبابا سفارتها في أسمرا وأمرت عشرة دبلوماسيين إريتريين بمغادرة البلاد. وجاء ذلك وسط تجدد القتال في شمال إثيوبيا، وتبادل الاتهامات بشأن دعم أطراف مسلحة.
لكن خلف التصعيد الأمني تقف قضية أكبر: الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر. إثيوبيا، الدولة ذات المئة والملايين من السكان والمحرومة من منفذ بحري منذ استقلال إريتريا، تعتبر الوصول إلى البحر مسألة ذات أهمية اقتصادية وأمنية. وفي سبتمبر الماضي أكدت أديس أبابا استعدادها للتفاوض مع أسمرا حول القضايا البحرية والوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء عصب.
أما إريتريا، فتنظر إلى أي تحرك إثيوبي باتجاه عصب والبحر الأحمر باعتباره مسألة تمس سيادتها وأمنها الوطني. وهنا يتحول البحر الأحمر من ممر تجاري إلى ميدان صراع على النفوذ والموانئ والممرات الاستراتيجية.
والأخطر أن الأزمة لم تعد ثنائية. فقد دخلت مصر في دائرة التوتر الدبلوماسي، بينما نفت إريتريا والسودان ومصر الاتهامات الإثيوبية بدعم المعارضة المسلحة. وفي المقابل توجد ملفات متشابكة بين إثيوبيا ومصر حول مياه النيل، وبين إثيوبيا والسودان حول الأمن والحدود والحرب السودانية.
والسودان؟
السودان ليس متفرجًا على هذه التطورات. موقعه الجغرافي يجعله نقطة التقاء بين البحر الأحمر والقرن الأفريقي ووادي النيل. ولذلك فإن أي تصعيد إثيوبي–إريتري واسع ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الحدود الشرقية السودانية، وعلى حركة التجارة والموانئ، وعلى التوازنات الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الحرب داخل السودان يجعل أي اضطراب جديد في الشرق والبحر الأحمر أكثر حساسية.
المشهد الحالي لا يعني حتمًا اندلاع حرب شاملة بين إثيوبيا وإريتريا، لكنه يعني أن منظومة الأمن الإقليمي دخلت مرحلة أكثر هشاشة. والاتحاد الأفريقي دعا بالفعل إثيوبيا وإريتريا ومصر إلى أقصى درجات ضبط النفس، والعودة إلى قنوات الحوار الدبلوماسي.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع القرن الأفريقي احتواء الأزمة داخل حدودها الحالية، أم أن البحر الأحمر سيكون بوابة لتحول الصراع من أزمة محلية إلى مواجهة إقليمية واسعة؟
في هذه المعادلة، لا يستطيع السودان أن يكون خارج المشهد؛ فموقعه يجعله جزءًا من الحسابات الاستراتيجية، شئنا أم أبينا.
