الخميس, أكتوبر 1, 2026
الرئيسيةمقالاتشيء من الذاكرة. ...

شيء من الذاكرة. مسكين البدا يؤمل أملو يغلبو تحقيقو……. الأستاذ/ الغالي الزين حمدون



منذ أن قرر الرئيس جعفر نميري تخفيض قيمة الجنيه السوداني عام (١٩٧٨م) بدأت الأزمة الاقتصادية تطل برأسها على الاقتصاد السوداني….
فبينما كان سعر الجنيه السوداني يساوي ( 3.33 دولاراً ) أصبح الدولار يساوي ( 80 قرشاً ) … و منذ ذلك الوقت تداعت المصائب و بدأت تنخفض قيمة الجنيه السوداني إلى يومنا هذا…….
هذا القرار لم يقف عند حد تدهور العملة فحسب ، بل ألقى بظلاله على الوضع الاقتصادي و السياسي في البلاد على السواء ، فعمت البلد الندرة في كل شيء الوقود ، المواد التموينية بأنواعها ، حتى صابون الغسيل و الظهر و الكبريت…. وصاحب هذه الأزمات تململ في الشارع ، فما أشرقت شمس إلا و أنطقلت مظاهرة من مدرسة أو جامعة أو شارع ، مما حدا بالرئيس نميري إصدار قرارات تم فيها تغييرات وزارية على مستوى الحكومة ، و حزبية على مستوى الحزب الوحيد الحاكم ( الاتحاد الاشتراكي ) وصل في فترة من الفترات في أوائل الثمانينات إلى حل الحزب و تنظيماته . فاختار (مكاشفة) الشعب بنفسه عبر برنامج إذاعي ( شهري ) أطلق عليه لقاء ( المكاشفة الشهرية ) يستقبل فيه أسئلة المواطنين و يرد عليها مباشرة عبر الإذاعة . و كان أحياناً يقود سيارته ليلاً و يقوم بجولات و زيارات مباغتة لبعض المؤسسات و يستفسر من يصادفه في الطريق الليلي……….
كان المأمول من هذا البرنامج طمأنة الشعب بأن الأمور ما زالت تحت السيطرة ، لكنه جاء في وقت متأخر خرجت فيه الأوضاع السياسية و الاقتصادية عن السيطرة… فاستفحلت القبضة الأمنية و تكميم الأفواه و مصادرة الصحف اليومية و المجلات الأسبوعية……..
كنا في ذلك الوقت وهو عام (١٩٨١م) بمعهد المعلمين الأوسط بأم درمان غرب مقابر أحمد شرفي و يتبع اليوم لجامعة أم درمان الإسلامية………
كانت من أشهر المجلات العربية الأسبوعية التي يتابعها أغلب السودانيين
” روز اليوسف و التضامن و الدستور ” ، و كلها تصدر في الخارج…….
أذكر أنه في بدايات عام ١٩٨٢م ثار غضب الشارع و خرجت المدارس و الجامعات في مظاهرات احتجاجية بسبب الغلاء و الندرة في الرغيف و السكر تحديداً و التي كانت الأكثر مدعاة للخروج…. فحرقت المحال التجارية و محطات الوقود فغضب الرئيس و قاطع البرلمان و لزم بيته . و جرت في نفس الوقت محاولة انقلاب (مكاشفة) أبيض حاول القيام به عدد من ضباط الجيش استدعوا فيه الرئيس الذي ـ كان معتكفاً ـ في بيته للتشاور معه إما أن يستمر في الحكم ، أو يتقدم باستقالته!….فوعدهم الرئيس بالرد بعد ساعات….. و لم تمضي ساعات من الاجتماع حتى أقال الضباط المجتمعين عبر الاذاعة على الهواء مباشرة ، و على ما أذكر عددهم (٢٣) ضابطاً لم ينجو منهم إلا وزير الدفاع الفريق أول عبد الماجد حامد خليل الذي رفض تبني الانقلاب كما رشح ……..
في ذلك الوقت كتب احد الكتاب اللبنانيين في مجلة الدستور التي صادرتها أجهزة الأمن في المطار ـ أحسبه فؤاد مطر ـ كانت تتسرب منها اعداد من تحت مصفى (الأجهزة) و تباع من خلف ستار….. سرب لنا أحد أصدقائنا كان يعمل في المطار عدداً كتب فيه الكاتب :
دقوا الطبول….. السودان بخير … دقوا الطبول….. فإن السودان بخير و رئيسه بألف خير……. ” يحل الاتحاد الاشتراكي في الصباح ، ثم يربطه في المساء !! “…..
أذكر في إحدى لقاءات المكاشفة الشهرية على الهواء سأل أحد المواطنين الرئيس نميري عن أزمة الرغيف فأجابه الرئيس : المشكلة شنو مافي جوع ، الناس ما يشربوا (الموصة) !!، و دي ذكرتني نكة الخواجية ( ماسي كويِّس ) !!……
إبان عنفوان و جبروت ثورة ديسمبر المصنوعة (٢٠١٩م) التي جاءت لحل (أزمة السودان) فزادت الطين (بلة) تفاقمت أزمة الوقود فقام وجدي صالح بجولة ماكوكية على محطات الوقود للتأكد من صحة ندرة الوقود فوجد أحد العمال نائماً على ( عنقريب ) مستظلاً بسقف المحطة…. و لم ير عربات في صف الطلمبة… فظن أن عدم وجود صف من وفرة الوقود فقال : ” من شدة وفرة الوقود لما العمال نايمين في العناقريب و ما لاقين زول يجي يعبي ” !@…..
فسمي وجدي ( عناقريب )… و لولا أن موضوع الشاشة (جَبَّ) ما قبله فسمي به وجدي (شاشات) ، لظل اسمه إلى اليوم وجدي عناقريب …….
كذلك بالأمس رأينا السيد رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس يمسك (بمقاس) خزان أحدى الطلمبات وسط جمهرة من الناس و الحراس و يهتف ( لا توجد أزمة وقود ،، لا توجد أزمة وقود ) و الناس يكبرون خلفه ! كأنه اكتشف ( عنز ) جمال حسن سعيد !!!…….
في أواخر التسعينيات ، و بداية الألفين رأيت دولة رئيس مجلس الوزراء السيد كامل إدريس يدير مبنىً زجاجياً ضخماً في سويسرا ، و لعله مبنى (الملكية الفكرية) الذي كان على رأسها هو……
من التقرير عرفت أن هذا المبنى الزجاجي الضخم المتعدد الطوابق لا توجد فيه ورقة أو قلم لأن كل المعاملات كانت إلكترونية فبهرني هذا الخبر و قلت يا ليتنا وصلنا للحد الأدنى من هذا …..
و عندما تم (تعيين) كامل إدريس ، و ليس ( انتخابه) رئيساً للوزراء ظننت أنه ـ رغم تحفظي ـ عليه و قد كتبت آنذاك مقالاً بعنوان ( صنع في السودان ) فنَّدت فيه تحفظاتي….
ظننت أنه سيلقي بكل خبراته ( الأممية ) وكتابه الذي جاء يحمله قائلاً هاؤم اقرؤوا كتابية على واقع حكومته التي ترأسها . و أنه سيسقط الورقة و القلم عن كل المعاملات في مؤسسات الدولة…….لكنه ترك كل ذلك الإرث الحضاري وراء ظهره و ابتدع بدعة الهتافات على المنصات و الطلمبات و ـ عاش إسياسي أفورقي ـ !!…………
الشعب السوداني يا سيادة الرئيس لا يحتاج من يعلمه شراب الموصة ، و لا قراءة عداد الطلمبات ، بل يحتاج من يوفر له رغيف الخبز في داره ، و لتر الوقود لترحاله…….
همسة :………
أما آن الأوان أن تخرج بنا من حكومة الأمل إلى حكومة العمل ؟؟؟؟
الى متى نردد مع سيد خليفة نقولها نعم عشان أولادنا تتعلم ؟؟؟
و إلى متى نغني مع أبو الأمين بتتعلم من الأيام ؟؟؟
و متى يأتي مصيرنا لنتعلم ؟؟؟؟
رحمهم الله جميعاً و الشاعر ابو قطاقي و الفنان محمد وردي مسكين مسكين مسكين…………
و ما أشبه الليلة بالبارحة…..
والله غلبنا تحقيقو عديييييل!!!!!!!!!

الأستاذ / الغالي الزين حمدون ..
٢٠٢٦/١٠/١م……

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات