بقلم: حمد يوسف حمد
بين مطرقة المعاناة اليومية وسندان الوعود المؤجلة، يقف المواطن السوداني اليوم مذهولاً أمام واقعٍ يتداعى، وتساؤلٍ واحد يتردد في كل بيت، ومخيم، وطريق للنزوح: إلى متى يا برهان؟
لقد استطال ليل هذه الحرب، وتجاوزت الفاتورة التي يدفعها المواطن الأعزل كل حدود الاحتمال. لم يعد الأمر مجرد تقاطع أجندات سياسية أو صراع على السلطة والمناطق، بل أصبحت مسألة وجود وبقاء على قيد الحياة. مواطنٌ شُرّد من بيته، وفقد مصدر رزقه، وأصبح يقطع نهاره بحثاً عن شربة ماء آمنة أو لقيمة سدّ رمق، بينما تستمر المأساة في الدوران داخل حلقة مفرغة لا تنتهي.
لم يعد حديث الشارع عن صعوبة المعيشة مجرد شكوى عابرة، بل تحول إلى صرخة وطنية بليغة في وجه سلطة الغياب؛ غياب الرؤية، وغياب المسؤولية، وأهمها غياب حياء الخجل. إن ما يشهده السودان اليوم من فوضى عارمة ليس أزمة عارضة، بل هو نتاج طبيعي لمعادلة طال استمراؤها: غلاء طاحن، وأسواق متروكة لمنطق الجشع، وجبايات محلية تُنتزع من جيب المواطن المنهك لتغذي شرايين مؤسسات نخر فيها الفساد حتى العظم.
تأمل منظر طوابير الوقود الممتدة كأفاعٍ خرساء أمام المحطات، واطلب من أي مسؤول أن يشرح لك كيف أصبحت السلع الأساسية والمحروقات تُباع وتُشترى في سوق أسود منظم، تحت عين الدولة وبصرها. إن المنظومة التي تعجز عن تنظيم صف وقود أو ضبط سعر رغيف خبز، وتتغافل عن الجبايات التعسفية التي تُفرض في كل نقطة وتفتيش، هي منظومة لا تكتفي بالفشل، بل تُشرعنه وتقتات عليه.
لقد تحولت المؤسسات الخدمية والتنفيذية إلى أجهزة جباية بلا خدمات، ومحاضن للمحسوبية والفساد الإداري والمالي. والمفارقة المؤلمة أن هذه الحكومة تتصرف وكأن الأمر لا يعنيها؛ لا محاسبة تحسم الفساد، ولا قرار يضبط الأسواق، ولا حتى مساحة صريحة للاعتراف بالعجز. إن أقل ما تتطلبه الأزمات الكبرى هو احترام عقول المواطنين، لكننا أمام حالة من جفاف الحياء الرسمي، حيث يُطالب المواطن وحده بالصبر، بينما يُعفى المسؤول من الحساب.
هنا يبرز السؤال الجوهري والواجب طرحه بلا مواربة: لماذا نصبر؟ وعلى ماذا نصبر؟
هل نصبر على الوهم؟ أم نصبر على فاشلين أثبتت الأيام أن أقصى طموحهم هو الاستمرار في كراسي المكاتب وممارسة السلطة بلا وازع من ضمير أو إنجاز؟
إن الصبر على الفشل لم يعد فضيلة، بل هو تواطؤ غير مباشر في إطالة عمر المأساة. لقد شبع الشعب السوداني من وعود التغيير وشعارات الصمود الصماء؛ فالأوطان لا تُبنى على الحطام، والشعوب لا تستطيع الانتظار إلى المجهول بينما تتآكل أسباب الحياة يوماً بعد يوم.
لقد بلغت القلوب الحناجر، ولم يعد لدى السودانيين ما يخسرونه. المطلوب اليوم من رأس الدولة، وقبل فوات الأوان، قرارات حاسمة وخطوات جادة تُنهي هذه المحنة الشاملة، وتقتلع جذور هذا الفساد والجبايات الفوضوية، وتضع حداً لاستنزاف البلاد والعباد.. حتى لا نفيق يوماً لنكتشف أن الوطن الذي نبحث عن حلول لأجله قد أصبح مجرد ذكريات.
