الأربعاء, سبتمبر 30, 2026
الرئيسيةمقالاتحوش الإذاعة و على المك و قصاصات ثقافية ...

حوش الإذاعة و على المك و قصاصات ثقافية بقلم/ زين العابدين صالح عبد الرحمن

قرأت للدكتور على المك العديد من إصداراته قبل أن التقي به ” مختارات من الأدب السوداني – القمر جالس في فناء داره هي مجموعة من قصص قصيرة – نماذج من الأدب الزنجي الأمريكي” قرأت له، و لم التق بالدكتور من قبل، و في إحدى صباحات الإسبوع تم طرق على باب مكتب الأخبار، و هذه مسألة غريبة لآن الباب يظل فاتحا 24 ساعة، و يدخل العاملون في الإذاعة و حتى الزوار و الذين يحملون أخبار الوفيات المكتب دون أذن مسبق.. كان هذا قبل حكم الإنقاذ.. و قلت للطارق أتفضل: دخل الطارق، حقيقة لم أعرفه لأنني لم التق به من قبل، و حتى اشاهده في التلفزيون.. و عرف نفسه مباشرة ” على المك” سارعت بالرد أنت أحد أعلام الثقافة السودانية.. قرأت لك..مشكلتي درست الجامعة في بغداد و رجعت منها قبل سبعة شهور، و لم اتعرف على الكثيرين من المثقفين و احاول أن تعرف بهم..

قال ممكن أطلب حاجة؟ قلت جدا، قال؛ قهوة من عم “عوض” لأن قهوة عم عوض بالفعل تنعش الذاكرة، و تساعد المرء على التفكير.. بعد القهوة.. عرفت إن الرجل عاشق للقهوة و يعشق طقوسها، و بيحضر للإذاعة يوم في الإسبوع للمشاركة في اجتماعات لجنة النصوص الدرامية، التي يرأسها الدكتور صلاح الدين الفاضل.. و قال المك من خلال حضوري تعرفت على العديد من الأخوة المبدعين في الإذاعة.. و تطرق الحديث عن وجودي في العرق، قلت إن الفارق الثقافي بين السودان و العراق إهتمام الدولة في العراق بالثقافة و توفير أدواتها بصورة كبيرة و حتى باسعار زهيدة، يمكن أن تتحصل عليها كل الطبقات، عكس السودان رغم حب قطاع واسع من السودانيين للثقافة لكن الدولة غير مشغولة بتوفير الأدوات الثقافية، و تطبع مجلة واحدة هي مجلة “الثقافة السودانية” و تتراجع الأدوات الأخرى يوم بعد الأخر.. واحدة من إشكالية العناصر في السلطة تجهل دور الثقافة لذلك تهملها..

كان السودان من قبل يستورد عدد من المطبوعات اليومية و الإسبوعية و الشهرية في لسياسة و الثقافة من كل، من مصر و لبنان و حتى يعرض الأفلام التي تنتج في عدد من الدول و تعرض في ذات الفترة التي تعرض في أماكن إنتاجها.. و جاء السؤال تلقائيا الذي وجهته للدكتور هل الثقافة مرتبطة بالسياسة بالصورة التي تؤدي إلي تراجعها عندما تتراجع عجلة السياسية؟ أم هناك أختلالا؟ لآن الثقافة من المفترض أن تفتح طريق الرقي و التقدم في السياسة و الثقافة لكي تنهض بالصورة التي لا تؤثر سلبا على المجتمع، لآن المنتجون للثقافة يجب أن يكونوا ضمير الأمة… قال على المك بالفعل إن الثقافة تعزز قدرات الأفراد و تسهم في عملية الوعي من خلال التثقيف، خاصة إن الثقافة بها حمولات من المفترض أن تكون دعوة للتعايش السلمي و نشر للقيم الفاضلة في المجتمع..

قلت؛ عندما كتب المفكر الفرنسي جون بول سارتر كتابه ” ليس دفاعا عن المثقفين” الكتاب كان يسلط الضوء على دور المثقفين في المجتمع، و الدور الوطني الذي يمكن أن يلعبه هؤلاء المثقفين في الدعوة لبناء مجتمع أفضل.. و يعتبر سارتر المثقفين هم الذين يقع عليهم عبءإنتاج الأفكار التي تساعد على التغيير في المجتمع.. و عندما قامت ثورة الطلاب في فرنسا 1968م، خرج سارتر مع المتظاهرين، و كانت الثورة مدعوة من الفلاسفة في معهد فرانكفورت هربرت ماركوز و أدورنو و غيرهم باعتبار أنهم كانوا يمثلون مرحلة وعي جديدة ضد الإمبريالية.. و عندما سأل ديجول وزير الإعلام عن دورهم لوقف هذه التظاهرات.. قال وزير الإعلام لقد أمرنا بإعتقال جان بول سارتر لأنه يعتبر المحرض الأول لقيام التظاهرات.. أنتفض ديجول و قال بشكل قاطع: سارتر لا لالا هذا يمثل ضمير الأمة الفرنسية، و أحد مثقفيها و عباقرتها كيف يتم اعتقاله بسبب تظاهرات..!

قال على المك: للأسف نحن في السودان لم نصل لدرجة هذا الوعي، و فهم دور المثقف في المجتمع. هنا تكمن المشكلة في السودان.. رغم أن حركة الثقافة في السودان قامت بها طبقة جديدة، جاء بها التعليم الحديث، لكن مشكلتها إنها وقعت في متناقضات و صراع فكري بين تصورة الطبقة الوسطى التي كانت تعتقد إنها سوف تؤسس الدولة وفقا لتطلعاتها، و بين قوى شبه اقطاع لكنها تملك القاعدة الاجتماعية العريضة، الأمر الذي حول الصراع إلي مساومة سياسية جعلت الطبقة الجديدة تتنازل عن كثير من تصوراتها، هذه المساومة هي التي أوقفت تيار الفكر و الوعي، و خاصة ” مجلتي الفجر و النهضة” كان من المفترض؛ أن تحافظ على صدورهما القوى الجديدة في المجتمع، لكن للأسف؛ حدث العكس، توقفتا دون أن يكون هناك داعم لهما.. و حتى عندما جاء الاستقلال واصبحت الدولة في يد الطبقة الوسطى أيضا حدث التنازل.. و إذا تابعت المسيرة تجد إن المساومة ظلت مستمرة.. هذا التراجع المستمر كان لمصلحة القوى التقليدية في المجتمع، لكي تفرض شروطها في العملية.. و حتى في الانقلابات كانت تحدث مساومة بين العسكريين و القوى التقليدية لكي توقف عمليات التغيير في المجتمع.. الأمر الذي عطل نهضة و تقدم البلاد بفضل هذه المساومات..

هذه فقرة من حوار في كتابي المعد للطباعة بعنوان ” المثقفون و المناظرات الفكرية في السودان” و هذه فقرة من فصل ” مثقفين عرفتهم في حوش الإذاعة” سوف يصدر قريبا.. نسأل الله حسن البصيرة..

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات