تقرير:بدرالدين عبدالرحمن
أدى اندلاع الحرب في السودان في منتصف أبريل 2023،إلى تحول جوهري في المشهد السياسي والأمني والإستراتيجي في المنطقة بأجملها،وذلك نظرا لموقع السودان الذي يعد الأكثر تأثيرا فى مجريات الأحداث المختلفة.
وعلي الرغم من الإستعدادات والتجهيزات العسكرية واللوجستية والمالية والسياسية الضخمة التي وجدتها ميليشيا الدعم السريع، لتحقيق السيطرة الحاسمة والسريعة والكاملة على مفاصل الدولة والسلطة في الخرطوم،إلا أن المخطط تعرض لإخفاق إستراتيجي وهيكلي،لم يتوقف عند تعثر الحسم العسكري المباشر،بل إمتد لتفقد الميليشيا قدرتها على شرعنة وجودها الميداني أو تقديم نموذج بديل لمؤسسات الدولة.
عوامل عسكرية وسياسية وإجتماعية ولوجستية، أدت في جملتها إلى فشل مخطط السيطرة المطلقة على المقدرات السودانية،يمكن إيرادها فيمايلي:
* العوامل الفنية والعسكرية:
أبرز عوامل الإنهيار تلك،كان الرهان الخاطئ على “صدمة المباغتة” (Blitzkrieg)،حيث
إعتمدت الميليشيا في خطتها الأساسية على شل حركة القيادة العامة للقوات المسلحة،ومن ثم السيطرة على المقار السيادية والتنفيذية والأمنية في الساعات الأولى للحرب.
وقد أدى فشل إغتيال أو إعتقال القيادات العسكرية العليا والمؤثرة،إلى إنتقال المؤسسة العسكرية السودانية من وضعية الإنكشاف والهزيمة،إلى وضعية إدارة حرب إستنزاف طويلة المدى،نجحت في إدارتها بفعالية وعزيمة.
*تباين العقيدة القتالية وتوزيع القوى:
تفتقر مليشيا الدعم السريع إلى وجود عقيدة عسكرية نظامية قائمة على الإنضباط والتراتبية القيادية والتخطيط التكتيكي طويل وقصير المدى،ماجعلها تعتمد علي أساليب حرب العصابات والمناورة الخفيفة،وهي تكتيكات فعالة للنفوذ الميداني والسريع،ولكنها عاجزة عن حسم السيطرة على الثكنات العسكرية الحصينة أو القواعد الجوية والمنشآت الحيوية ذات التحصين الهندسي المنظم.
*سلاح الجو وتفوق سلاح المدفعية:
حسم التفوق النوعي للقوات المسلحة السودانية في مجال الطيران الحربي وطائرات الاستطلاع والمدفعية الثقيلة،قدرة الميليشيا على التجمع أو التمدد المفتوح أو السيطرة.
فقد حُرمت الميليشيا من إستخدام أرتال السيارات المقاتلة بشكل مكشوف، مما أجبرها على الإنكفاء داخل الأحياء السكنية والأعيان المدنية.
*الأبعاد السياسية والإستراتيجية
وفقدان المشروعية والشرعية السياسية:
فشلت الميليشيا في تسويق خطاباتها القائمة على “إعادة الديمقراطية” أو “محاربة النظام البائد” للمجتمع الداخلي والدولي،مما جعل الوجود الميداني لعناصرها يتحول إلى حالة إحتلال عسكري فاقد لأي حاضنة شعبية أو غطاء قانوني مؤسسي.
*إنهيار خطاب مظلومية الهامش:
حاولت الميليشيا توظيف الخطاب الأيديولوجي الاجتماعي القائم على “المظلومية الإقليمية”، غير أن ممارسات الإنتهاكات الميدانية الواسعة والفظيعة،والتي تجاوزت كل القوانين والأعراف والتقاليد المتبعة في الحروب،والتي وقعت منها في كآفة المناطق التي دخلتها،كشفت عن عورتها البائنة،وعن غياب المشروع الوطني الصالح للإستمرار والديمومة.
*العزلة الدبلوماسية:
لم تتمكن الميليشيا من إستصدار أي إعتراف رسمي أو شبه رسمي،كونها ممثل شرعي للشعب السوداني،والمتابع للشأن السوداني يجد أن الدول الإقليمية والدولية والأمم المتحدة والمنظمات المختلفة،قد أبقت التعامل المباشر مع مؤسسات الدولة القائمة ممثلة في الجيش ومجلس السيادة.
التحليلات المتعددة والمتابينة،أكدت في سياقها الأساسي،علي أن السلوك الميداني و الإجتماعي للمليشيا،كان ومايزال المحور الأكثر تأثيرا على فشل المخطط،ذلك لأن
الإنتهاكات التي حدثت ضد المدنيين(النهب المسلح،السلب،التهجير القسري،القتل،الإغتصاب، إستخدام وتدمير الأعيان المدنية،تدمير البنية التحتية)،أسهم بقدر غير مسبوق،في فقدان كامل للحاضنة الشعبية وتحول الشعب السوداني برمته لخيار المساندة الشعبية للمؤسسة العسكرية.
وقد أدي ذلك لحدوث إستنفار واسع للمجتمعات المحلية ذات النسيج الإجتماعي والقبلي المتماسك في ولايات السودان المختلفة،ماأحدث مقاومة شعبية واسعة ورافضة بشكل قاطع لإستقبال أي وجود للميليشيا وبأي شكل كان.
*الإختناق اللوجستي وسلاسل الإمداد،
صعوبة تأمين الخطوط الممتدة:
أدت الجغرافيا الشاسعة للسودان إلى صعوبة إستدامة متعلقات الحروب المؤثرة(نقل الذخائر، الوقود،القطع الفنية،الآليات العسكرية المختلفة)من الحدود الغربية والولايات البعيدة إلى العاصمة الخرطوم والولايات الوسطى،خاصة مع إستهداف خطوط التحرك عبر الطيران الإستطلاعي والعسكري من قبل القوات المسلحة السودانية.
وقد كان ذلك،أحد أبرز أسباب إستنزاف العنصر البشري،حيث
تكبدت الميليشيا خسائر كبرى في الكوادر القيادية الميدانية ذات الخبرة في المراحل الأولى للحرب، ماجعلها تستبدلهم بعناصر غير مدربة إفتقرت إلى الانضباط التكتيكي،مما أدّى إلى تفكك السيطرة القيادية على المجموعات الميدانية.
مما تقدم،يتضح أن القراءة الفنية والعسكرية والميدانية والسياسية لتحركات ميليشيا الدعم السريع،أثبتت أن مخطط السيطرة الشاملة على السودان قد وصل إلى طريق مسدود،نظراً لبنائه على إستراتيجيات سريعة وخاسرة حادت عن حسابات الإستقرار والسيطرة المؤسسية والقانونية والشرعية.
كل ذلك أوجد
عجزا واضحا عن تحويل المكاسب التكتيكية والميدانية المؤقتة إلى سلطة وسيادة سياسية أو إدارية.
وقد نتج ذلك لعدم القدرة على كسر هيكل وبناء وتكوين الجيش السوداني المتجذر في البنية الإدارية والدولة.
