الأحد, سبتمبر 27, 2026
الرئيسيةمقالاتتشكيل وزاري عاجل …. السودان يحتاج حكومة تنفيذية شبابية رشيقة

تشكيل وزاري عاجل …. السودان يحتاج حكومة تنفيذية شبابية رشيقة

أ/ زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي

الوضع السوداني الراهن يتطلب حكومة تنفيذية شبابية رشيقة، قادرة على الحركة السريعة واتخاذ القرار والعمل في ظروف الحرب والأزمة الاقتصادية والإنسانية المعقدة. فالدولة في هذه المرحلة لا تحتاج إلى حكومة مترهلة تتسع فيها الحقائب بقدر ما تحتاج إلى جهاز تنفيذي محدود العدد، واضح الاختصاصات، سريع الاستجابة، وقابل للمساءلة.
وتناسب الحكومة التنفيذية الشبابية ظروف السودان الحالية لعدة أسباب عملية. فالحرب تفرض قرارات عاجلة وتنسيقاً يومياً بين مؤسسات الدولة، بينما تساعد القيادة الأصغر سناً، إذا اقترنت بالكفاءة، على تقليل البطء الإداري وتجاوز الإجراءات المعقدة. كما أن الأزمة الاقتصادية تتطلب إدارة دقيقة للموارد، واستخداماً أوسع للبيانات والتقنيات الرقمية، وقدرة على ابتكار حلول منخفضة التكلفة في مجالات الدعم والإمداد والخدمات. كذلك يحتاج ملايين النازحين والمتضررين إلى حكومة قريبة من الواقع، سريعة التواصل مع الولايات والمجتمعات المحلية والمنظمات الإنسانية، وقادرة على متابعة الاحتياجات ميدانياً بدلاً من انتظار التقارير المتأخرة.
ويمكن أن يكون مواليد 1970م وما بعده نواة هذه الحكومة، ليس لأن العمر معيار للكفاءة، وإنما لأن المرحلة تحتاج إلى تجديد حقيقي في القيادة التنفيذية وإتاحة المجال لجيل عاش التحولات التي صنعت السودان الراهن، ويمتلك أدوات مختلفة في الإدارة والتكنولوجيا والتواصل مع العالم. كما أن إشراك هذا الجيل قد يوسع قاعدة الثقة لدى الشباب، وهم الكتلة الأكبر والأكثر تأثراً بالحرب والبطالة والنزوح، ويمنحهم شعوراً بأن مؤسسات الدولة تعبر عن حاضرهم لا عن ماضيهم فقط.
لكن التجديد لا يعني إهدار الخبرة. فالحكومة الشبابية المقترحة تحتاج إلى خبرات الأجيال السابقة في الاقتصاد والدبلوماسية والإدارة والقانون والخدمة المدنية وغيرها، عبر مجالس استشارية وهيئات متخصصة ولجان قومية، بحيث تنتقل الخبرة إلى الجيل الجديد بدلاً من أن تتحول إلى احتكار للمناصب التنفيذية. وبهذا يمكن الجمع بين سرعة الجيل الجديد وذاكرة الدولة المتراكمة، مع تقليل مخاطر القرارات المرتجلة.
ويجب أن يكون اختيار الوزراء قائماً على الكفاءة والتخصص والخبرة العملية والنزاهة والقدرة على إدارة الأزمات، بعيداً عن المحاصصة الحزبية والقبلية والجهوية. فالوزارة في زمن الحرب ليست موقعاً للمجاملة السياسية، وإنما مهمة محددة ومسؤولية مباشرة أمام الدولة والمواطن. وينبغي أن يخضع المرشحون لفحص معلن للسيرة والخبرة وتعارض المصالح، وأن يلتزم كل وزير بإقرار ذمة مالية وخطة عمل قابلة للقياس.
أما رشاقة الحكومة فتبدأ من عدد محدود من الوزارات، ودمج الاختصاصات المتقاربة، وإلغاء التداخل بين المؤسسات، وتحديد صلاحيات كل وزير، وربط كل حقيبة بأهداف ومؤشرات أداء واضحة. وهذا التنظيم يقلل الإنفاق على الهياكل والمخصصات، ويوجه الموارد إلى الغذاء والصحة والتعليم والإمداد والخدمات الأساسية. كما يسهّل تحديد المسؤولية؛ فحين تكون الصلاحيات واضحة يستطيع المواطن والبرلمان وأجهزة الرقابة معرفة الجهة المسؤولة عن النجاح أو التقصير. الحكومة الرشيقة ليست حكومة ضعيفة، بل حكومة أقل ترهلاً وأكثر قدرة على تنفيذ القرار.
الوزارات الأربع عشرة المقترحة هي:
١. وزارة الدفاع
٢. وزارة الداخلية
٣. وزارة الخارجية
٤. وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي
٥. وزارة الزراعة والثروة الحيوانية
٦. وزارة الصناعة والتجارة
٧. وزارة الطاقة والنفط
٨. وزارة الصحة
٩. وزارة التربية والتعليم
١٠. وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
١١. وزارة العمل والخدمة المدنية
١٢. وزارة النقل والبنية التحتية
١٣. وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الإنساني
١٤. وزارة الإعلام والاتصالات والتحول الرقمي
وتحتاج هذه الحكومة إلى برنامج قصير ومباشر يركز على الملفات الأكثر إلحاحاً: إدارة الحرب، حماية مؤسسات الدولة، الاقتصاد والمالية، الغذاء والزراعة، الصحة، الخدمات، النزوح والعمل الإنساني، والعلاقات الخارجية، مع وضع مسار واضح للانتقال من الحرب إلى السلام وإعادة البناء. ويجب أن يتضمن البرنامج أولويات قابلة للتنفيذ خلال مئة يوم، مثل تأمين ممرات الإمداد، ضبط الإنفاق العام، توحيد قواعد بيانات النازحين، دعم الإنتاج الزراعي، حماية سلاسل الغذاء والدواء، واستعادة الخدمات الأساسية في المناطق الآمنة.
كما ينبغي أن تعتمد الحكومة على غرف عمليات مشتركة ومنصة بيانات وطنية تربط المركز بالولايات، حتى تصل المعلومات بسرعة وتُوزع الموارد وفق الحاجة الفعلية. فالسودان لا يحتمل تكرار المشاريع أو تضارب التعليمات أو تأخر الاستجابة بسبب تعدد مراكز القرار. ويمكن للتحول الرقمي أن يحد من التسرب والفساد، ويساعد في تتبع المساعدات والإنفاق والمخزون، حتى في ظل صعوبة الحركة والاتصال.
الأهم أن تكون حكومة المهمة محددة المدة وخاضعة للتقييم والمساءلة، بحيث لا تتحول المرحلة الاستثنائية إلى وضع دائم. ويجب نشر تقارير دورية عن الإنجاز، وإتاحة قنوات للشكاوى، وربط استمرار الوزير بتحقيق أهداف محددة، مع مراجعة دورية لحجم الحكومة واختصاصاتها وفق تطورات الحرب والانتقال السياسي.
السودان اليوم يحتاج إلى جيل جديد في مواقع التنفيذ، وخبرة الأجيال السابقة في مواقع الإسناد والمشورة، ومؤسسات قوية فوق الأشخاص. كما يحتاج إلى حكومة تستطيع العمل في بيئة موزعة بين الولايات، وتتعامل مع شركاء دوليين ومحليين، وتستعيد ثقة المواطن عبر نتائج ملموسة لا عبر الخطابات.
التجديد يمنح الدولة طاقة جديدة، والخبرة تمنحها الذاكرة اللازمة لتجنب أخطاء الماضي. وبينهما يمكن أن تتشكل حكومة تنفيذية شبابية رشيقة، لا تُقاس بعدد وزرائها، وإنما بسرعة إنجازها وقدرتها على استعادة الدولة وخدمة المواطن.
وهذا يتطلب شجاعة من رئيس مجلس السيادة.

                    ،،، تحياتي ،،،
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات