في مشهد إنساني يحمل أكثر من دلالة، أشرف صانع المحتوى السعودي خالد العليان على توزيع مساعدات وإغاثة للنازحين بمحلية أمبدة، في مبادرة تؤكد أن جسور التواصل بين الشعبين السوداني والسعودي لا تزال ممتدة، وأن المملكة العربية السعودية تقف، عبر مبادراتها الإنسانية والمجتمعية، إلى جانب الشعب السوداني في هذه الظروف الاستثنائية.
وجود خالد العليان وسط النازحين في أمبدة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد زيارة عابرة أو نشاطاً إعلامياً فالمشهد يحمل رسالة إنسانية واجتماعية مهمة، مفادها أن أبواب السودان ليست مغلقة أمام الأشقاء والأصدقاء، وأن العمل الإنساني يمكن أن يكون جسراً للتعاون والتكافل وتخفيف معاناة المواطنين الذين اضطرتهم ظروف الحرب إلى ترك مناطقهم والبحث عن الأمان.
والأهم من ذلك أن مثل هذه المبادرات تقدم صورة ميدانية تستحق التوقف عندها بشأن الأوضاع في المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات المسلحة، حيث تستمر الحياة المدنية، وتعمل المؤسسات المحلية، وتتحرك المبادرات الشعبية والإنسانية، ويجد النازحون والمواطنون مساحة للحياة والعمل وتلقي المساعدات.
بعيداً عن المبالغات الإعلامية التي قد ترسم أحياناً صورة مأساوية للسودان، فإن الواقع على الأرض غير والحياة تسير بصوره طبيعية . فالسودان بلد واسع، وتختلف الأوضاع الأمنية والإنسانية من منطقة إلى أخرى، ولذلك لا يمكن اختزال المشهد السوداني كله في رواية واحدة عن الانفلات أو عدم الاستقرار.
وفي المناطق التي تشهد استقراراً أمنياً، تصبح عودة النشاط المدني والإنساني والاقتصادي أمراً ممكناً، وتصبح الزيارات والبرامج الإغاثية والأنشطة المجتمعية مؤشراً مهماً على قدرة المجتمع والدولة على استعادة دورة الحياة الطبيعية تدريجياً.
أمبدة بوصفها واحدة من المناطق التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام الإنساني والخدمي، لا إلى مزيد من الصور النمطية عنها. فالمواطن الذي يعيش فيها يحتاج إلى الغذاء والدواء والخدمات وفرص العمل، كما يحتاج السودان كله إلى خطاب واقعي يميز بين المناطق الآمنة والمناطق المتأثرة بالصراع.
المملكة العربية السعودية والسودان تربطهما علاقات تاريخية وشعبية واقتصادية عميقة، وما تقدمه المبادرات الإنسانية السعودية للسودانيين يمثل جانباً من هذه العلاقة.
والمرحلة المقبلة يمكن أن تفتح أبواباً أوسع للتعاون، ليس في المجال الإغاثي وحده، وإنما في إعادة الإعمار والاستثمار والزراعة والثروة الحيوانية والصناعة والتعدين والطاقة والبنية التحتية والخدمات والسياحة والنقل والتجارة.
السودان يمتلك موارد طبيعية ومساحات زراعية واسعة وموقعاً جغرافياً مهماً، فضلاً عن ثروة حيوانية ومعدنية وإمكانات كبيرة في مجالات متعددة، الأمر الذي يجعل الاستثمار طويل الأجل وإعادة الإعمار من الملفات التي يمكن أن تشكل قاعدة جديدة للشراكة السودانية السعودية.
الأمن بوابة الاستثمار
رأس المال يبحث قبل كل شيء عن البيئة الآمنة والاستقرار وسيادة القانون ووضوح الإجراءات. ولذلك فإن تحسن الأوضاع الأمنية في أي منطقة سودانية يمثل عاملاً أساسياً في إعادة النشاط الاقتصادي وتشجيع المستثمرين.
ومن هنا فإن وصول المبادرات الإنسانية إلى أمبدة، ووجود أنشطة مدنية ومجتمعية فيها، يبعث برسالة مختلفة عن تلك التي تختزل السودان كله في مشاهد الحرب.
لكن المسؤولية تقتضي أيضاً عدم إنكار التحديات الموجودة في تكلفة إعادة الإعمار والتعافي فاستقرار منطقة يعني بالضرورة استقرار كل السودان، كما أن وجود تحديات أمنية في بعض المناطق لا يعني أن جميع أنحاء البلاد تعيش الوضع نفسه.
المطلوب هو تقديم صورة دقيقة وأن هناك مناطق مستقرة تستقبل العمل الإنساني والاستثمار وإعادة الإعمار، وهناك مناطق أخرى لا تزال تحتاج إلى معالجة أمنية وإنسانية وسياسية.
وفي المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة، يرى كثير من المواطنين أن وجود مؤسسات الدولة والأجهزة النظامية يوفر مظلة أمنية تتيح استمرار الحياة المدنية وتقديم الخدمات وإيصال المساعدات الإنسانية.
وهذا الواقع، متى ما اقترن بحماية المدنيين واحترام القانون وتوفير الخدمات، يمكن أن يشكل قاعدة مهمة لعودة النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وتهيئة البيئة المناسبة لإعادة الإعمار وعودة النازحين إلى مناطقهم.
زيارة خالد العليان وإشرافه على توزيع الإغاثة في أمبدة تحمل رسالة إنسانية قبل أن تكون إعلامية رسالة تقول إن السودان وشعبه بحاجة إلى الأشقاء والأصدقاء، وإن أبواب التعاون لا ينبغي أن تغلق بسبب ظروف الحرب.
والسودان الذي ينشد السلام والاستقرار يحتاج إلى تحويل المشاهد الإنسانية إلى مشروعات مستدامة، والإغاثة إلى تنمية، والتضامن إلى شراكات اقتصادية، والموارد إلى فرص عمل وإنتاج.
أما أمبدة، وغيرها من المناطق التي تنعم بالاستقرار، فتستحق أن تُرى بعين الواقع لا بعين الشائعات فحين يجد الإنسان الأمن، والغذاء، والدواء، وفرصة العمل، تبدأ عجلة الحياة في الدوران من جديد.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة
