الخرطوم : حفية نورالدائم
في وقت تتسع فيه احتياجات السودانيين إلى خدمات الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل بفعل إصابات الحرب وتضرر البنية الصحية، دفع ملتقى الأطراف الصناعية والأجهزة التقويمية وإعادة التأهيل البدني في السودان بخطة عاجلة لإعادة تشغيل المراكز المتوقفة بالولايات، تبدأ بتقييم فني شامل خلال 30 يوماً، وتشغيل إسعافي للمراكز القابلة للعمل خلال 90 يوماً، على أن تُستكمل خلال 14 يوماً مصفوفة تنفيذية تحدد المسؤوليات والتمويل والجداول الزمنية ومؤشرات الأداء.
وتضع الخطة استعادة الخدمة داخل الولايات في مقدمة الأولويات، بما يقلل اضطرار المستفيدين إلى السفر بحثاً عن جهاز أو جلسة تأهيل، ويعيد بناء منظومة تشمل التقييم والتصميم والتركيب والتدريب والمتابعة والصيانة، بدلاً من حصر الخدمة في توفير الجهاز التعويضي وحده.
ووجّه وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، د. معتصم أحمد صالح، بإجراء تقييم فني شامل لمراكز الأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية، لتحديد احتياجاتها ووضع خطة لإعادة تشغيل المراكز المتوقفة، إلى جانب تدريب الكوادر وتوفير المعدات والمواد الخام.
وقال صالح، خلال افتتاح الملتقى بالخرطوم، إن الحرب ألحقت أضراراً واسعة بمنظومة التأهيل، طالت المرافق والمعدات وتسببت في توقف عدد من المراكز ونقص الكوادر والمواد الخام، في وقت ارتفعت فيه الحاجة إلى خدمات الأطراف الصناعية نتيجة إصابات الحرب.
وأكد أن خدمات التأهيل «لا تقتصر على توفير الجهاز»، وإنما تبدأ بالتقييم وتمتد إلى التدريب والمتابعة والصيانة، مشدداً على أن إعادة بناء هذه المنظومة تمثل جزءاً من إعادة بناء الإنسان في السودان.
وأقر الملتقى تقييماً موحداً لجميع المراكز والورش خلال 30 يوماً، يشمل المباني والمعدات والكوادر والطاقة والمواد الخام والإمداد، على أن يعقب ذلك تحديد أولويات التدخل والتكلفة التقديرية لكل مركز.
وحددت التوصيات 90 يوماً للتشغيل الإسعافي للمراكز القابلة للعمل، مع وضع حد أدنى لمتطلبات التشغيل، وتأجيل أي عمليات إعادة تأهيل شاملة إلى ما بعد اكتمال التقييم الفني.
كما أُقرت لجنة متابعة تنفيذية برئاسة الهيئة العامة للأجهزة التعويضية للمعاقين، وعضوية الجهات ذات الصلة والشركاء الاستراتيجيين، على أن تصدر خلال 14 يوماً مصفوفة تنفيذ تحدد المسؤوليات ومصادر التمويل والتكلفة والجداول الزمنية ومؤشرات الأداء، مع رفع تقارير شهرية إلى وزير الموارد البشرية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من التنفيذ.
سد فجوة الكوادر والإمداد
وتصدرت فجوة الكوادر الفنية ومعينات التشغيل التحديات التي ناقشها الملتقى، الذي دعا إلى حصر التخصصات ومواقع العاملين، وتغطية الوظائف الحرجة، ومراجعة الهياكل الوظيفية وبيئة العمل وسياسات استبقاء الخبرات، إلى جانب إطلاق برامج للتدريب والإشراف بالتعاون مع الجامعات والشركات.
وأوصى الملتقى بإنشاء نظام قومي لإدارة المواد الخام والمكونات وقطع الغيار، يتيح معرفة المخزون والاحتياجات بصورة مستمرة، ويحد من انقطاع الخدمة أو تكدس الإمدادات، مع إعداد دراسات جدوى للتوسع التدريجي في التصنيع المحلي وفق معايير الجودة.
وفي اتجاه موازٍ، أقر إنشاء سجل رقمي قومي موحد للمستفيدين، يتضمن بيانات الحالة ونوع الاحتياج والموقع ومسار الإحالة ونوع الجهاز ومواعيد الصيانة والمراجعة، مع وضع ضوابط لحماية البيانات ومنع تكرار التسجيل.
وأكد مدير الهيئة العامة للأجهزة التعويضية للمعاقين، يوسف موسى دارفور، أن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بمنظومة الأطراف الصناعية والتأهيل البدني، شملت البنية التحتية وتوقف عدد من المراكز ونقص المعدات والكوادر الفنية.
وقال إن بعض المراكز واصلت تقديم خدماتها رغم الظروف، مشدداً على أن خدمات الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل «حق أساسي للأشخاص ذوي الإعاقة وليست خدمات تجميلية».
ودعا إلى تحويل توصيات الملتقى إلى برنامج عمل وطني قابل للتنفيذ، عبر إعادة تشغيل المراكز المتوقفة والمتضررة، وتوفير المعدات والمواد الخام وقطع الغيار، وتطوير الكوادر، وضمان التوزيع العادل للخدمات بين الولايات.
وقال دارفور إن الأشخاص ذوي الإعاقة ومن فقدوا أطرافهم بسبب الحرب والحوادث والأمراض ينتظرون خدمات حقيقية تصل إليهم في أماكن وجودهم.
من جانبه، أكد ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، دايفند جراهام، استمرار دعم اللجنة لقطاع الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل في السودان، مشيراً إلى أن اللجنة تعمل في هذا المجال منذ عام 1990 بالتعاون مع الهيئة القومية للأطراف الاصطناعية ومراكز التأهيل بالولايات.
وأوضح أن الدعم يشمل توفير المواد والمكونات، وبناء قدرات الكوادر، ودعم التعليم والدمج الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة، لافتاً إلى أن النزاع أدى إلى تعطّل أو تراجع خدمات عدد من مراكز التأهيل.
وأكد أهمية الاجتماعات المتخصصة في تقييم الاحتياجات وحشد الدعم لضمان استمرار الخدمات ووصولها إلى المستفيدين، إلى جانب إعادة الخدمات الأساسية والمساعدات الطارئة للمجتمعات المتضررة.
وقالت وزيرة الرعاية الاجتماعية بولاية شمال كردفان، أم سلمة الإمام، إن انعقاد الملتقى جاء في توقيت تزايدت فيه أعداد الإصابات والإعاقات، ما جعل مناقشة تحديات تشغيل مراكز الأطراف الصناعية ضرورة ملحة.
وأشارت إلى أن أبرز التحديات تتمثل في الكادر الفني واستقراره، ومعينات التشغيل وضمان استمرارية الخدمة، مؤكدة استعداد الولايات للعمل بصورة مشتركة من أجل إعادة تشغيل المراكز والارتقاء بخدماتها.
ودعت إلى دعم الكليات والمعاهد الفنية المحلية التي ترفد القطاع بالكوادر، والعمل على استقرار العاملين، إلى جانب مساهمة الولايات في توفير احتياجات التشغيل وفق إمكاناتها، مع استمرار الدعم الدولي والإشراف والمتابعة بين الهيئة والمراكز الولائية.
وقالت إن الهدف النهائي هو أن يجد طالب الخدمة حاجته في موطنه، بعيداً عن مشقة السفر وتكاليف الانتقال والإرهاق الذي يفرضه البحث عن الخدمة خارج الولاية.
وناقش الملتقى، الذي انعقد بالخرطوم تحت شعار «شراكة فاعلة نحو مستقبل أفضل لتكنولوجيا الأطراف الصناعية والأجهزة التقويمية وإعادة التأهيل البدني في السودان»، أوراقاً حول واقع التأهيل البدني والفجوات القائمة ومسارات التطوير والشراكة وتوطين علوم الأطراف الصناعية وسد فجوة الموارد البشرية.
وشملت التوصيات توحيد الإشراف والتوجيه الاستراتيجي للمراكز الولائية، وتنظيم العلاقة بين الهيئة العامة والولايات، ومراجعة القوانين واللوائح المنظمة للعمل، إلى جانب اعتماد مسار قومي للإحالة بين الولايات والمراكز التخصصية، يتضمن ترتيبات النقل ومواعيد التركيب، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر احتياجاً.
وفي التمويل، دعا الملتقى إلى توسيع الشراكات والتوأمة مع المؤسسات الطبية والعسكرية للاستفادة من البنية التحتية والخبرات، وحصر التكلفة الفعلية للخدمات وتحديد غير القادرين، ووضع آلية تمويل مشتركة تخفف الأعباء المالية عن المستفيدين.
وتتجه الخطة في محصلتها إلى نقل ملف الأطراف الصناعية من دائرة الاستجابة المتفرقة إلى برنامج وطني محدد المراحل، يبدأ بالتقييم، ثم التشغيل الإسعافي، ويتوسع نحو توطين التصنيع وبناء قاعدة بيانات قومية، بما يجعل معيار نجاحه النهائي وصول الخدمة إلى المستفيد في ولايته، واستعادة منظومة تأهيل قادرة على الاستمرار بعد الحرب.
