الخرطوم : المجد نيوز
تدخل مبادرة الهدنة المقترحة في السودان مرحلة أكثر تعقيداً، مع تمسك الخرطوم برفض أي وقف للقتال لا يسبقه انسحاب واضح لقوات الدعم السريع من المدن والمناطق التي تسيطر عليها، وسط تقديرات ترى أن هدنة تمتد لـ90 يوماً، من دون ترتيبات أمنية ملزمة، قد تتحول من مدخل لمعالجة الأزمة إلى فترة لتثبيت واقع ميداني فرضته الحرب.
وتقول مصادر مطلعة إن التحفظ على المقترح لا ينطلق من رفض الاعتبارات الإنسانية المرتبطة بوقف القتال، وإنما من طبيعة الترتيبات المصاحبة له، وما إذا كانت الهدنة ستقود فعلياً إلى إنهاء الحرب أم تكتفي بتجميد خطوط التماس القائمة.
وتشير المصادر إلى أن التوقيت يمثل أحد عناصر القلق الرئيسية، خصوصاً مع استمرار العمليات العسكرية في كردفان، وترى أن وقفاً غير مشروط للعمليات في هذه المرحلة يمكن أن يمنح قوات الدعم السريع مساحة لإعادة ترتيب انتشارها وتجميع قدراتها، بما قد يطيل أمد المواجهة بدلاً من تهيئة شروط إنهائها.
وبحسب هذه التقديرات، فإن الخشية لا تتوقف عند الجانب العسكري، بل تمتد إلى احتمال تحول الهدنة المؤقتة إلى واقع سياسي وميداني يصعب تغييره لاحقاً، إذا لم تقترن بضمانات واضحة بشأن الانسحاب، وحصر السلاح، وترتيبات الأمن، ومنع استغلال فترة الهدنة في إعادة التموضع أو تصعيد العمليات بعد انتهائها.
وكان المقترح الأميركي قد تضمن هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تمهيداً لمسار أوسع يشمل وقفاً دائماً لإطلاق النار وتسوية سياسية وإعادة الإعمار. غير أن وثائق نقلتها رويترز أظهرت أن الموقف السوداني ربط القبول بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي تسيطر عليها.
وفي المقابل، أبدت قوات الدعم السريع قبولاً بمبدأ الهدنة، مع استمرار الخلاف حول شروط الانسحاب والترتيبات الأمنية، الأمر الذي أبقى جوهر المبادرة معلقاً عند نقطة أساسية: كيف يمكن وقف القتال من دون تثبيت نتائجه العسكرية؟
ويرى مراقبون سودانيون أن أي هدنة قابلة للحياة تحتاج إلى آلية تنفيذ ومراقبة وضمانات محددة، بحيث تكون جسراً إلى وقف دائم للحرب، لا مساحة زمنية منفصلة عن المسار الأمني والسياسي.
وفي ظل هذه التعقيدات، يبقى الموقف السوداني قائماً على أولوية معالجة الوضع العسكري قبل الانتقال إلى تسوية سياسية شاملة، بينما تظل الحاجة الإنسانية إلى وقف القتال وتأمين وصول المساعدات عاملاً ضاغطاً على جميع الأطراف.
وتضع هذه المعادلة مقترح الهدنة أمام اختبار بالغ الحساسية: أن تحقق حماية المدنيين وإيصال المساعدات، من دون أن تتحول إلى تجميد للصراع أو فرصة لإعادة إنتاجه.
