إن الفكرة تعتبر أهم قاعدة يوسس عليها الدكتور التجاني عبد القادر رؤيته، و هي أهم أعمدة المعرفة التي يتكيء عليها مشروعه الفكري.. حيث يعتبر التجاني الدولة في الفهم الإسلامي السني هي تحت المجتمع و ليست بناء فوقيا، يخضع لها المجتمع، لذلك تصبح الدولة وسيلة من الوسائل الإدارية التي تتكون من عدة مؤسسات سياسية و تشريعية و اقتصادية، أي المؤسسات التي تخدم المجتمع.. و من هنا يجب أن لا يتخوف المسلم من لفظ العلمانية، لآن هناك مساحة في مؤسسات الدولة يشارك فيها المسلم و غيره من اصحاب الديانات الأخرى، و العلمانين.. و يبين إن إدارة الدولة في أية دولة تعتبر هي ذات الإدارة التي يدير بها المسلمون و العلمانيون شؤون الدولة.. فالمصطلح في الإدارة يجب أن تخفت حرارته..
و يؤكد التجاني إن الدول خاصة العربية و الإسلامية جميعها يعاني من ثالوث الجهل و الفقر و المرض، و عندما تطرح الحركات الإسلامية كقوى من أجل التغيير يجب عليها أن تعالج إشكالية هذا الثالوث. و لكن هذه القضايا ليست ببعيدة عن الكسب السياسي، الأمر الذي يقدح في هذا العمل… و الإشكالية الأخرى أن بعض الحركات الإسلامية صفوية المنشأ، و بهذا التكوين تهمل الاهتمام بقضايا القطاعات الشعبية.. و في إشارة مهمة لعبد القادر في إحدى محطاته يقول؛ من المفروض أن القوى السياسية تشكل الدولة وفقا لطرحها السياسي، لكن تجد في كثير من الأحيان إن الدولة تبدأ في تشكيل هؤلاء و تعدل رؤاهم وهذا المأزق الذي تقع فيه العديد من الحركات الإسلامية..
و عن الزعامة يقول في مقال؛ نشر في جريدة الأحداث 2 يونيو 2012م إن بقاء جيل تأسيس الأحزاب أو الحركة الإسلامية لفترات طويلة على قمة القيادة سيضر بالتطور الطبيعي للحزب أو للحركة لأنها لن تبلغ النضج إلا بتنحي الأباء المؤسسين، و إتاحة فرص لأجيال جديدة.. و لكن أيضا ليس من الحكمة تغيير زعيم في ظل عدم وجود قيادات موازية.. هذا التصور يبين موقف التجاني عبد القادر من احتكارية المواقع القيادية دون إفساح المجال لقيادات جديدة تقدم رؤى جديدة تطور من المؤسسة الحزبية و ترسخ فيها القيم الديمقراطية في تبادل القيادة..
عندما اشتد الصراع بين المكون العسكري و ” قوى الحرية و التغيير” كتب التجاني مقالا في 4 يوليو 2019م بعنوان ” مستقبل اتفاق العسكر و قحت” استدل فيه برؤية قرأنية و أخرى برؤية صمويل هنتنقتون في كتابه ” النظم السياسية في مجتمعات متغيرة” حيث إشار في قصص القرآن للصراع الذي كان دائرا بين سيدنا موسى و فرعون، قال كان هناك أربعة متغيرات في هذا الصراع” العقيدة – الآرض – القوى العاملة – النظام الفرعوني المهيمن” و قال موسى كان يملك واحدة من الأربعة و كان فرعون يملك الثلاث المتغيرات، لكن استطاع موسى لأنه يملك فكرة العقيدة استطاع أن يضعف حجة الفرعون… و في رؤية هنتقتون يقول التجاني أن رؤية هنتقتون من أجل الاستقرار السياسي، بأن هناك ثلاث فئات في المجتمع في دول العالم الثالث الأول العسكر و المثقفين و الفلاحين و يحتاج الاستقرار لتحالف أثنين من الثلاث فئات… لكن هنتقتون يستبعد تحالف العسكر مع المثقفين هو تحالف هش، لآن العسكر في تحالفهم مع المثقفين يريدون أن يجعلوا من الموظفين أداة لتثبيت النظام العسكري.. و المثقفين في تحالفهم مع العسكر يريدون أداة لتطبيق أيديولوجتهم. لذلك لابد من وقوع الصدام بينهم، و ضرب مثلا بالانقلابات التي حدثت في مصر و باكستان و كوريا الجنوبية و سوريا و يوغندا أن العسكر اتجهوا إلي تحالف مع الريف لكي تستمر سلطتهم.. أما الانقلابات التي شكلت تحالف بين العسكر و المثقفين قد وقع فيها صدام خاصة في السودان في انقلاب الشيوعيين 1969 و انقلاب الجبهة الإسلامية المفاصلة.. لذلك تنبأ التجاني بالصراع بين العسكريين و قحت قبل تشكيل حكومة حمدوك الأولي…
في الصراع الذي كان دائرا في بداية ثورة ديسمبر أيضا كتب التجاني رؤيته عن صراع الثنائيات، و هو الصراع بين الإسلاميين و اليسار و اعتبره مجهض لأية عمل سياسي في البلاد يقول في بداية المقال مشخصا فيها الأزمة (تمنيت في رسالة سابقة بعنوان (بصيص من الأمل) أن يتجاوز الجيل الجديد ثنائية ”علماني/اسلامي” المدمرة. وقد استشكل البعض هذه العبارة، واستغرب آخرون صدورها عنى، وطلب آخرون مزيدا من التوضيح. وها أنا أعود لهذه المسألة فأقول إن ثنائية علماني/اسلامي تشير الى قريب مما بات يعرف في عالم الصفقات ”بالمعادلة الصفرية”؛ والتي تعنى أن ما يناله هذا الطرف من أرباح سيعنى بالضرورة خسرانا مبينا على الطرف الآخر، وأن ما يحققه هذا الطرف من تقدم سيكون بالضرورة خصما من حظوظ الطرف الآخر، وهكذا تستمر العلاقة الصفرية بين الطرفين:) هي ذات فكرة الدكتور الشفيع خضر الذي كان عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي و طرحها في ندوة جامعة الأزهري في يوليو 2019م حيث قال (لنجاح الثورة لابد من مساومة تاريخية بين الإسلاميين و الشيوعيين) و لكن وجد هجوما عنيفا من الحزب الشيوعي..
في تحليله للصراع الذي كان دائرا في الإنقاذ الذي أدى للمفاصلة، و سيطرة فئة على التحكم في الدولة، كان يرى الدكتور التجاني أن الحركة الإسلامية في السودان شهدت تحولاً استراتيجياً خطيراً عند انتقالها من مرحلة “الفكرة والمعارضة” إلى مرحلة “الدولة والحكم”. وبدلاً من تأسيس دولة مؤسسات حديثة تلبي قيم العدالة والتنمية، اختُزلت الدولة في تحالف ثلاثي أفرغ المشروع من مضمونه الأخلاقي والفكري و هو تحالف ” القبيلة و السوق و الأمن” و تناول التجاني هذا المفهوم عبر سلسلة من المقالات لكي توضح و تجسد رؤيته في الصراع الذي كان دائرا في الدولة.. و كان يقول في ذات السلسلة ( لقد كانت الرؤية الأساسية لوظيفة التنظيم هي أن يسد الفجوة بين المثال الاسلامى والواقع من جهة، وبين الدولة والمجتمع من جهة أخرى، أى أن يكون مساحة يستولد فيها برنامج اسلامى وطنى تنموى يقوم على الطوع والتراضى. ولكن قلبت هذه الرؤية رأسا على عقب حينما استولى الإسلاميون على جهاز الدولة فى منتصف عام 1989، اذ ما أن أزيحت حكومة الأحزاب وحلت مكانها حكومة الإنقاذ الا وقد أزيح كذلك التنظيم) رحم الله التجاني عبد القادر و أسكنه فسيح جناته مع الصديقين و الشهداء و الصالحين.. حقيقة الباحث عن الفكر و لم يقابل التجاني في حياته و يجلس معه و يحاوره و يسمع لأفكاره يكون هو الخسران المبين.. أول مرة قابلت التجاني في منزل الدكتور عبد الرحمن الفادني الذي كان بالقرب من بوستة أم درمان. أيضا في مسجد الجامعة هناك مدخل عندما تخرج من صحن المسجد تجده على الشمال و تجد البعض جلوسا يشربون الشاي، نسأل الله له الرحمة و المغفرة و القبول الحسن
