بقلم حمد يوسف حمد
هناك لحظة يصبح فيها الصمت نوعاً من المشاركة في الأزمة، ويصبح تكرار التبريرات أكثر إيلاماً من الأزمة نفسها.
السودان يغرق… والوقت يمضي.
بلد أنهكته الحرب، وأرهقه النزوح، وأثقلته الأسعار، وانكسرت فيه الخدمات، بينما المواطن يقف في منتصف الطريق يسأل: إلى أين؟ ومن يقود؟
نحن لا نتحدث عن دولة طبيعية تمر بظرف عابر.
نحن أمام بلد يعيش واحدة من أعقد أزماته في التاريخ الحديث، والأمم المتحدة تقدر أن عشرات الملايين يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية خلال 2026، مع استمرار النزوح والأزمة الغذائية والصحية والخدمية.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر إزعاجاً:
هل حجم الكارثة أكبر من قدرة الحكومة على إدارتها؟ أم أن المشكلة في طريقة الإدارة نفسها؟
حكومة «جنازة البحر»
قد يكون التعبير قاسياً، لكنه يصلح عنواناً لحالة سياسية وإدارية لا لشخص بعينه.
حكومة تحمل تركة حرب ثقيلة، وتواجه اقتصاداً منهكاً، ومؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء، ومجتمعاً أنهكته سنوات الصراع.
لكن الحكومة لا تستطيع أن تختبئ إلى الأبد خلف عبارة:
«الحرب هي السبب».
نعم، الحرب سبب رئيسي في الانهيار.
لكنها ليست إجابة على كل سؤال.
ماذا عن القرارات التي يمكن اتخاذها اليوم؟
ماذا عن مكافحة الفساد؟
ماذا عن ضبط الأسواق؟
ماذا عن المال العام؟
ماذا عن اختيار الكفاءات؟
ماذا عن الخدمات؟
ماذا عن الموظف الذي لا يستطيع شراء احتياجات أسرته؟
ماذا عن المريض الذي يبحث عن الدواء؟
وماذا عن الطفل الذي يفقد عاماً دراسياً تلو الآخر؟
هذه ليست أسئلة سياسية.
هذه أسئلة حياة.
السودان لا يحتاج إلى مؤتمرات جديدة
المواطن السوداني حفظ لغة البيانات.
حفظ عبارات:
«نؤكد».
«نشدد».
«نوجه».
«نعلن».
«نلتزم».
لكن المواطن يريد أن يعرف شيئاً مختلفاً:
ماذا حدث بالفعل؟
فالبيان لا يخفض سعر السلعة.
والاجتماع لا يعيد المستشفى إلى الخدمة.
والتصريح لا يفتح مدرسة.
والوعود لا تعيد النازح إلى منزله.
واللجان لا تكفي إذا لم تنتج قرارات قابلة للتنفيذ.
يا وزراء السودان… ماذا أنجزتم؟
هذا السؤال يجب ألا يُفهم باعتباره عداءً للحكومة.
بل هو أبسط حقوق المواطن.
كل وزير يجب أن يستطيع أن يقف أمام الناس ويقول:
هذه مشكلتي… وهذا ما أنجزته… وهذه نسبة التنفيذ… وهذه العقبات… وهذا ما سأفعله خلال الأشهر المقبلة.
لماذا لا يصبح ذلك تقليداً حكومياً؟
لماذا لا يعرف السوداني ماذا تفعل كل وزارة؟
لماذا لا تكون هناك مؤشرات أداء واضحة؟
ومن المسؤول إذا لم تتحقق؟
المحاسبة ليست إسقاطاً للحكومة؛ المحاسبة هي ما يجعل الحكومة حكومة.
لا تجعلوا الحرب شماعة لكل شيء
من غير المنصف تجاهل أن الحرب دمرت البنية التحتية وأثرت في الاقتصاد والخدمات وأجبرت ملايين السودانيين على النزوح.
لكن من الخطأ أيضاً أن تتحول الحرب إلى شماعة معلقة عليها كل أوجه القصور.
هناك قرارات يمكن اتخاذها رغم الحرب.
هناك فساد يمكن ملاحقته.
هناك تهريب يمكن مكافحته.
هناك أموال عامة يمكن حمايتها.
هناك مؤسسات يمكن إصلاحها.
وهناك أولويات يمكن إعادة ترتيبها.
والحكومة نفسها أعلنت توجهات تتعلق بالإصلاح الإداري ومكافحة الفساد والتهريب وتحسين الأداء الاقتصادي والخدمي.
إذن أين النتائج؟
هذا هو السؤال.
من يدير الدولة؟
السودان اليوم يحتاج إلى عقل دولة، لا مجرد إدارة يومية للأزمات.
يحتاج إلى حكومة تعرف أن الأولوية ليست في عدد الاجتماعات، وإنما في عدد المشكلات التي حُلّت.
ليس في عدد التصريحات، وإنما في حجم التغيير الذي يشعر به المواطن.
ليس في كثرة الوزراء، وإنما في وضوح المسؤوليات.
ولذلك فإن السؤال ليس:
كم وزيراً لدينا؟
بل:
كم مشكلة استطاعت الحكومة أن تحل؟
السودان يغرق… فمن يمسك بالدفة؟
السفينة التي تضربها العواصف تحتاج إلى قبطان يعرف الاتجاه.
ولا يكفي أن يقول للركاب:
«البحر هائج».
الركاب يعرفون ذلك.
السؤال:
أين الشاطئ؟
والسودانيون يعرفون أن بلادهم تمر ببحر هائج.
يعرفون أن الحرب قاسية.
يعرفون أن الاقتصاد منهك.
يعرفون أن الطريق طويل.
لكنهم يريدون أن يروا بوصلة.
يريدون خطة.
يريدون أولويات.
يريدون شفافية.
يريدون محاسبة.
ويريدون مسؤولين يعرفون أن المنصب تكليف وليس امتيازاً.
أخطر ما يمكن أن يحدث
أخطر شيء ليس أن تفشل الحكومة في تنفيذ بعض وعودها.
الحكومات قد تخطئ.
والدول قد تتعثر.
لكن الأخطر أن يتحول الفشل إلى حالة طبيعية.
أن يصبح الغلاء عادياً.
والمرض عادياً.
والنزوح عادياً.
وتعطل المدارس عادياً.
وانهيار الخدمات عادياً.
وانقطاع الكهرباء عادياً.
وتأخر الحلول عادياً.
عندما يصبح كل شيء عادياً، تصبح الكارثة الحقيقية أننا نتعايش مع الكارثة.
يا حكومة «جنازة البحر»…
لا أحد يطلب منكم المستحيل.
لكن الناس تريد أن ترى فرقاً بين حكومة جاءت لتدير الأزمة، وحكومة جاءت لتقود عملية إنقاذ.
ضعوا أمام الشعب خطة واضحة.
قولوا:
هذه هي الأولويات.
هذه هي الموارد.
هذه هي المدة.
وهؤلاء المسؤولون.
وهذه هي النتائج.
ثم دعوا المواطن يحكم على الأداء من خلال الواقع، لا من خلال البيانات.
السودان أولاً
السودان أكبر من الحكومة.
وأكبر من الوزراء.
وأكبر من الأحزاب.
وأكبر من كل القوى المتصارعة.
ولهذا فإن معركة الإنقاذ يجب ألا تتحول إلى معركة من يملك السلطة، بل إلى معركة كيف نعيد بناء الدولة.
والإعمار ليس مجرد أموال.
والدولة ليست مجرد مبانٍ حكومية.
الدولة هي المواطن.
حين يأمن.
حين يتعلم أبناؤه.
حين يجد العلاج.
حين يحصل على قوته.
حين يشعر أن القانون يحميه.
وحين يعرف أن المال العام ليس غنيمة.
والسؤال الأخير…
السودان لا يحتاج إلى المزيد من الكلام.
يحتاج إلى أفعال.
لا يحتاج إلى مسؤولين يشرحون لماذا تعثرت الأمور فقط.
يحتاج إلى مسؤولين يقولون:
ماذا سنفعل الآن؟
فالسودان يغرق.
والبحر عالٍ.
والسفينة مثقلة.
والوقت ليس في صالح أحد.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يظل مفتوحاً أمام حكومة كامل إدريس:
هل ستنجح في إخراج السودان من المستنقع؟
أم سنظل ندفن فشلنا في البيانات، ونواصل السير في جنازة طويلة اسمها:
«جنازة البحر»؟
السودان لا يحتاج إلى من يصف الغرق… بل إلى من يمسك بالدفة.
