هناك أسئلة لا يجوز أن نخاف من طرحها.
وأسئلة أخرى يصبح الصمت عنها مشاركة في صناعة الأزمة.
وفي ملف الطب التكميلي في السودان
يبدو أن الوقت قد حان لفتح الملفات التي ظل البعض يفضل إبقاءها خلف الأبواب المغلقة:
من يملك قرار الطب التكميلي؟
من يحدد من يمثل الممارسين؟
من يضع شروط التدريب؟
من يمنح الشهادات؟
أين تذهب العوائد المالية؟
ومن المستفيد من بقاء حالة التشتت؟
هذه ليست أسئلة للفرجة، ولا دعوة إلى خصومة شخصية.
إنها أسئلة مهنية ينبغي أن تجد إجابات واضحة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمهنة ترتبط مباشرة بصحة الإنسان وحقوق الممارسين ومستقبل قطاع كامل.
عندما يصبح الخلاف أكبر من المهنة
المشكلة ليست أن يختلف أهل الطب التكميلي.
فالاختلاف سنة الحياة، والتنافس المهني يمكن أن يكون مدخلاً للتطوير.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى معركة نفوذ، وعندما يصبح الوصول إلى التدريب أو التمثيل أو الاعتماد مرتبطاً بموازين القوة بدلاً من معايير مهنية معلنة.
وهنا لا بد من السؤال:
هل نريد بناء مهنة أم بناء نفوذ؟
إذا كانت الغاية هي بناء المهنة، فلماذا يخشى البعض من تعدد الكيانات والأفكار؟
وإذا كان الهدف هو حماية الممارسين
فلماذا لا تكون المعايير واللوائح والحقوق واضحة للجميع؟
وإذا كانت هناك جهة ترى أنها الأحق بتمثيل القطاع، فما هو سندها القانوني؟ ومن منحها هذا الحق؟ وهل يملك جميع الممارسين فرصة حقيقية للمشاركة في تحديد مستقبل المهنة؟
المال أيضاً يحتاج إلى إجابة
لنكن أكثر وضوحاً.
عندما يصبح التدريب مصدراً للعوائد المالية، يصبح من حق الممارسين أن يعرفوا:
من يدير هذه الأموال؟
كم حجمها؟
ما طبيعة الرسوم؟
من يحددها؟
وأين تذهب؟
ليس في هذه الأسئلة إساءة لأحد.
بل إن الشفافية المالية هي إحدى علامات المؤسسات المهنية المحترمة.
وإذا كانت كل الإجراءات سليمة، فإن أفضل طريقة لإسكات الشائعات ليست البيانات الغاضبة، وإنما كشف الحسابات واللوائح والوثائق أمام أهل المهنة والجهات المختصة.
أما ترك الباب مفتوحاً للتكهنات، فهو الذي يصنع الشك.
الشهادات… لمن؟
هناك ملف آخر أكثر حساسية:
الشهادات المهنية.
من يحق له إصدارها؟
وبأي معايير؟
وهل توجد جهة اعتماد واضحة؟
وهل المناهج موحدة؟
وهل المدربون مستوفون للشروط؟
وهل يستطيع المتدرب معرفة القيمة القانونية والمهنية للشهادة التي يحصل عليها قبل أن يدفع الرسوم؟
هذه أسئلة لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها هجوماً على أحد.
إنها ببساطة حقوق للمتدرب والممارس والمجتمع.
فالورقة التي تحمل اسم «شهادة» لا تصبح بالضرورة اعتماداً مهنياً لمجرد طباعتها بالحبر والختم.
ومن يملك حق التمثيل؟
أخطر الأسئلة ربما هو:
من يمثل ممارسي الطب التكميلي في السودان؟
هل يمثلهم شخص؟
أم مجموعة؟
أم مؤسسة؟
أم اتحاد مهني؟
وإذا كان هناك أكثر من كيان، فما معيار التفريق بين الشرعية القانونية والشرعية المهنية؟
هنا يجب أن تكون الإجابة واضحة:
التمثيل المهني لا يُمنح بالقوة، ولا بالادعاء، ولا بكثرة البيانات؛ وإنما يستند إلى القانون والمؤسسات والإرادة المهنية.
ولهذا فإن قيام اتحاد مهني جامع، إذا تأسس وفق القانون وبمشاركة حقيقية من أهل المهنة، يمكن أن يضع حداً لمساحات واسعة من الفوضى.
لا نريد اتحاداً جديداً للصراع
لكن علينا أن ننتبه إلى نقطة مهمة.
ليس المطلوب أن نستبدل مجموعة بمجموعة.
ولا أن يتحول الاتحاد الجديد إلى نسخة أخرى من المشكلة القديمة.
المطلوب اتحاد لا يسأل الممارس:
أنت معنا أم ضدنا؟
بل يسأله:
ما مؤهلاتك؟
وما حقوقك؟
وما الذي تحتاج إليه المهنة؟
اتحاد لا يحارب المختلف.
ولا يحتكر التدريب.
ولا يستخدم موقعه لإقصاء الآخرين.
ولا يحول العمل النقابي إلى مصدر نفوذ شخصي.
اتحاد تكون قوته في القانون والشفافية والمؤسسية.
«شيطنة» الآخر…
أسهل من مواجهة الأسئلة
في كل صراع طويل تظهر ظاهرة خطيرة: بدلاً من الإجابة عن الأسئلة، يبدأ البعض في مهاجمة أصحابها.
ومن هنا تولد «الشيطنة».
فلان ضد المهنة.
فلان يريد هدم الاتحاد.
فلان يريد السيطرة.
فلان يعمل لمصلحة جهة أخرى.
وهكذا تتحول القضية من نقاش حول اللوائح والحقوق والمال والتدريب إلى معركة حول الأشخاص.
لكن السؤال الحقيقي يبقى قائماً:
أين الوثائق؟
إذا كان هناك اتهام، فليكن بالدليل.
وإذا كانت هناك مخالفة، فلتذهب إلى الجهة المختصة.
وإذا كانت الإجراءات قانونية، فلتُعرض للناس.
أما إطلاق الاتهامات في الاتجاهين، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام.
المهنة أكبر من المجموعة
الطب التكميلي ليس ملكاً لمجموعة.
ولا ينبغي أن يكون رهينة لصراع الأشخاص.
هناك ممارسون قضوا سنوات في المجال، ومدربون، وطلاب، ومؤسسات، وأصحاب تجارب، وكل هؤلاء لهم مصلحة في أن تكون للمهنة مظلة تنظيمية تحميها وتطورها.
والمطلوب اليوم أن نخرج من سؤال:
من ينتصر؟
إلى سؤال:
كيف تنتصر المهنة؟
فالانتصار الحقيقي ليس أن يسقط كيان ويصعد آخر.
الانتصار الحقيقي أن تصبح هناك قواعد واضحة، ومؤسسات قانونية، وتدريب منضبط، وممارسة مسؤولة، وحقوق محفوظة، ومحاسبة عادلة.
إلى أصحاب المهنة:
هذه فرصتكم
ربما تكون هذه لحظة فارقة.
إما أن يستمر الطب التكميلي في الدوران داخل دائرة الصراع، أو يبدأ رحلة جديدة عنوانها المؤسسية.
والمؤسسية تعني أن لا أحد فوق القانون.
تعني أن المال يخضع للشفافية.
والتدريب يخضع للمعايير.
والشهادة تخضع للاعتماد.
والتمثيل يخضع للإرادة المهنية.
والخلاف يخضع للحوار.
والاتهام يخضع للدليل.
هذه هي المعركة الحقيقية.
وليست معركة فلان ضد فلان.
والسؤال الذي لن يموت
من يملك الطب التكميلي في السودان؟
ربما تكون الإجابة التي يجب أن يتفق عليها الجميع:
لا أحد يملكه.
فالطب التكميلي مهنة، والمهنة لا تُورث، ولا تُحتكر، ولا تُدار بمنطق الملكية الخاصة.
إنها مسؤولية أمام الممارسين والمجتمع والدولة.
ومن يريد قيادة المرحلة القادمة، فليقدم مشروعه أمام الجميع.
ومن يريد التمثيل، فليحتكم إلى القانون.
ومن يريد التدريب، فليقدم معاييره.
ومن يدير المال، فليقدم حساباته.
ومن يملك الحقيقة، فليضع وثيقته على الطاولة.
أما زمن «أنا وحدي أملك مفتاح المهنة» فيجب أن ينتهي.
فالطب التكميلي السوداني يستحق أكثر من صراع النفوذ.
ويستحق أكثر من البيانات المتبادلة.
ويستحق أكثر من محاولات الإقصاء والشيطنة.
يستحق مؤسسة مهنية حقيقية، يكون فيها القانون هو الحكم، والمهنية هي المعيار، والشفافية هي القاعدة، وخدمة المجتمع هي الغاية.
وعندها فقط يمكن أن نقول:
لقد خرجت سفينة الطب التكميلي من دوامة الصراع، وبدأت بالفعل الإبحار نحو بر الأمان.
