لم تعد النقود في المدينة الحديثة مجرد أوراق تنتقل من يد إلى أخرى.
وراء شراء الدواء، ودفع قيمة الوقود، وتسديد فاتورة الكهرباء، وتحويل المال إلى الأسرة، وشراء سلعة أو دفع قيمة خدمة، توجد منظومة كاملة تسمح للحياة الاقتصادية والاجتماعية بأن تستمر.
وكما لا تعمل المدينة من دون الطرق والكهرباء والمياه والاتصالات، فإنها لا تستطيع أن تعمل بكفاءة عندما تتعطل القنوات التي تسمح بتداول المال داخلها.
من هنا، فإن ما نعيشه اليوم في السودان مع الخدمات المصرفية والدفع الإلكتروني يستحق أن ننظر إليه من زاوية أوسع من مجرد أداء تطبيق مصرفي أو كفاءة مصرف بعينه.
المسألة في جوهرها تتعلق بجزء من البنية التحتية الاقتصادية والتشغيلية للمدينة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب.
من التطبيق إلى المنظومة
أحياناً يجري اختزال التحول الرقمي في فكرة بسيطة: افتح حساباً مصرفياً، نزّل التطبيق، وانتهت المشكلة.
لكن المدينة لا تعمل بهذه الطريقة.
فالمدينة شبكة مترابطة من الأنظمة والخدمات، وكذلك المنظومة المالية التي تخدمها. هناك الحسابات المصرفية، والبطاقات، وأجهزة الصراف الآلي، ونقاط البيع، وخدمات الهاتف، والمحافظ الإلكترونية، وشركات الدفع، وشبكات الاتصالات، ومراكز البيانات، والأنظمة التي تربط المؤسسات ببعضها.
قيمة هذه العناصر لا تكمن في وجود كل واحد منها منفرداً، وإنما في قدرتها على العمل معاً، وعلى الاستمرار عندما يتعطل أحد مكوناتها.
وهنا يظهر مفهوم مهم في التخطيط الحضري: المرونة.
فالمدينة التي تعتمد على طريق واحد تكون أكثر عرضة للتوقف عندما ينقطع هذا الطريق. وكذلك المنظومة المالية التي يؤدي تعطل قناة واحدة فيها إلى إرباك النشاط الاقتصادي اليومي.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال فقط:
هل لدى المواطن حساب مصرفي؟
السؤال الأهم هو:
هل يستطيع الوصول إلى أمواله واستخدامها بأمان وسهولة واستمرارية، أياً كانت القناة التي يستخدمها؟
الحرب لم تعطل المباني وحدها
الحرب لم تضرب المباني والمنشآت وحدها.
لقد أصابت أجزاء من البنية التي تجعل المدينة تعمل: الكهرباء والاتصالات، والمنشآت الخدمية، ووسائل الحركة، وسلاسل الإمداد، وأنظمة المعلومات، ومواقع تقديم الخدمات.
والقطاع المالي جزء من هذه البنية التشغيلية.
لذلك فإن إعادة تشغيل النظام المالي بعد الحرب لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد إعادة فتح فروع المصارف، كما أن إعادة تشغيل المدينة لا تعني مجرد فتح الشوارع والمباني.
المطلوب هو إعادة بناء شبكة مترابطة من الوظائف والخدمات.
وهنا يجب أن نفرق بين عودة مكوّن من مكونات المنظومة وبين عودة المنظومة نفسها إلى أداء وظيفتها كاملة.
عندما يعود النظام ولا تعود الخدمة
قد يعود النظام المركزي للعمل، بينما يظل المواطن غير قادر على استخدام أمواله بالطريقة التي يحتاجها.
قد لا يجد جهاز صراف يعمل.
وقد لا يجد نقطة بيع متاحة.
وقد تكون البطاقة غير متوفرة أو غير صالحة.
وقد يصبح الهاتف الوسيلة شبه الوحيدة للوصول إلى المال.
وهنا تظهر فجوة مهمة بين البنية التي تعمل في الخلفية، والخدمة التي تصل فعلياً إلى المواطن.
ومن منظور التخطيط، هذه هي النقطة التي تستحق الاهتمام.
فالمدينة لا تُقاس بكفاءة غرفة التحكم، وإنما بما يصل إلى الحي والمواطن والنشاط الاقتصادي.
والأمر نفسه ينطبق على البنية المالية.
النجاح لا يقاس فقط بعودة الأنظمة إلى العمل، وإنما بقدرة المواطن والتاجر والمؤسسة على إتمام معاملاتهم بصورة مستقرة.
عندما يصبح الهاتف هو الطريق الوحيد
المشكلة التي تستحق الانتباه ليست تعطل تطبيق بعينه، وإنما الاعتماد المفرط على قناة واحدة.
إذا أصبح الهاتف هو الطريق شبه الوحيد إلى المال، فإن تعطل التطبيق أو الشبكة أو الخادم أو الاتصال بين مزود الخدمة والمصرف يمكن أن يتحول خلال وقت قصير إلى اضطراب في النشاط الاقتصادي.
وهنا يعود التخطيط الحضري إلى مبدأ أساسي: تعدد البدائل والقدرة على الاستمرار.
المدينة القادرة على الصمود لا تعتمد على طريق واحد، ولا على مصدر واحد للمياه، ولا تفترض أن جميع مكوناتها ستعمل دائماً بلا أعطال.
بل تبني داخل منظومتها مسارات بديلة.
والمنظومة المالية تحتاج إلى المنطق نفسه.
نحتاج إلى بيئة يستطيع فيها المواطن الانتقال من التطبيق إلى البطاقة، ومن البطاقة إلى الصراف، ومن نقطة البيع إلى التحويل الإلكتروني، ومن الإنترنت إلى USSD، ومن قناة إلى أخرى، دون أن يشعر بأنه انتقل إلى منظومة منفصلة.
ليس المطلوب أن يستخدم المواطن كل هذه الوسائل، وإنما أن يجد بديلاً عندما تتعطل الوسيلة التي يعتمد عليها.
البنية التحتية التي لا نراها
من السهل أن نرى الطريق والمبنى ومحطة الكهرباء.
لكن هناك بنية تحتية أخرى لا نراها، مع أنها أصبحت ضرورية لاستمرار الحياة الحضرية:
البيانات.
الاتصالات.
أنظمة المعلومات.
المدفوعات.
مراكز البيانات.
والربط بين المؤسسات.
هذه كلها أصبحت جزءاً من البنية التحتية للمدينة.
وعندما تتعطل، قد لا نرى انهياراً مادياً في المكان، لكننا نرى المدينة تتباطأ: التجارة تتعثر، والخدمات تتأخر، والمؤسسات تتوقف، والمواطن يبحث عن حلول فردية.
وهذا ما يجعل مرحلة ما بعد الحرب بحاجة إلى توسيع مفهومنا للبنية التحتية.
لم تعد البنية التحتية هي ما نراه في الشارع فقط، وإنما كل ما يجعل المدينة قادرة على أداء وظائفها.
لا نحتاج إلى مزيد من التطبيقات بقدر ما نحتاج إلى تكاملها
ليس الهدف أن يكون لدينا أكبر عدد ممكن من التطبيقات.
الهدف أن تكون لدينا منظومة مترابطة يستطيع المواطن من خلالها تحويل أمواله، والدفع للتاجر، واستلام مستحقاته، وتسوية معاملاته، حتى عندما تختلف المؤسسة أو القناة المستخدمة.
وهنا تصبح قابلية التشغيل البيني بين الأنظمة أهم من كثرة الأنظمة نفسها.
فكما تحتاج المدينة إلى ربط أحيائها ومراكزها بشبكة حركة متصلة، تحتاج منظومة الدفع إلى ربط مكوناتها بحيث تتحرك القيمة بينها بسهولة وأمان.
هذه هي النقلة الحقيقية: من التفكير في التطبيق إلى التفكير في البنية التحتية التي تجعل التطبيق يعمل.
وماذا نريد من الرقابة؟
في مرحلة ما بعد الحرب، لا ينبغي أن تقتصر الرقابة على سلامة المؤسسات المالية من الداخل.
ينبغي أن تهتم أيضاً باستمرارية الخدمة من منظور المستخدم.
إذا خُصم المبلغ ولم تصل العملية، فهذه بالنسبة للمواطن مشكلة واحدة، بصرف النظر عن موقع الخلل داخل المنظومة.
وإذا فشل التحويل، أو تأخر استرداد المبلغ، أو تعطل التطبيق، أو لم يجد المواطن نقطة بيع أو صرافاً يعمل، فإن المشكلة تتحول من خلل تقني إلى مشكلة في قدرة المدينة على أداء وظائفها.
لذلك نحتاج إلى مؤشرات تقيس ما يحدث فعلياً على الأرض:
كم عملية نجحت؟
كم عملية فشلت؟
كم استغرق استرداد الأموال؟
كم جهاز صراف يعمل فعلياً؟
كم نقطة بيع متاحة؟
ما مستوى التغطية الجغرافية للخدمة؟
وما قدرة المنظومة على الاستمرار عند انقطاع الكهرباء أو الاتصالات؟
هذه ليست مؤشرات مصرفية فقط.
إنها مؤشرات على مرونة البيئة الحضرية وقدرتها على الاستمرار.
إعادة الإعمار فرصة لإعادة التصميم
السودان أمام فرصة لا ينبغي أن تضيع.
نحن لا نعيد بناء منظومة كانت موجودة قبل الحرب لكي نعيدها كما كانت فقط.
يمكننا أن نبني منظومة أكثر مرونة، وأكثر شمولاً، وأقل اعتماداً على الفروع، وأكثر قدرة على الوصول إلى المناطق الطرفية، وأفضل استعداداً للأعطال والأزمات.
فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني إلغاء النقد، ولا يعني إجبار الجميع على استخدام الهاتف، ولا يعني الاستغناء عن القنوات التقليدية.
بل يعني توسيع خيارات المواطن وتأمين استمرارية الخدمة.
التطبيق مهم.
والبطاقة مهمة.
والصراف الآلي مهم.
ونقطة البيع مهمة.
وخدمات الهاتف مهمة.
والنقد قد يظل في بعض الظروف جزءاً من منظومة الأمان والمرونة.
القضية ليست اختيار وسيلة واحدة.
القضية أن تعطل وسيلة واحدة لا ينبغي أن يؤدي إلى تعطل المدينة.
من البنية المالية إلى إدارة العمران
ربما نحتاج في السودان إلى تغيير أوسع في طريقة النظر إلى هذه المسألة.
الخدمات المالية الرقمية ليست شأناً مصرفياً منفصلاً عن العمران.
إنها إحدى الأدوات التي تجعل المدينة تعمل.
المواطن الذي يشتري الدواء، والتاجر الذي يبيع السلعة، والعامل الذي يتلقى مستحقاته، والمرفق الذي يحصل رسومه، والحكومة التي تجمع إيراداتها، والشركة التي تدفع أجور العاملين، جميعهم يعتمدون بدرجات مختلفة على حركة القيمة داخل المدينة.
وحين تتوقف هذه الحركة، تتباطأ المدينة.
وهنا يلتقي الموضوع مباشرة مع إدارة العمران.
فإدارة العمران لا تتعامل مع المباني والمشروعات باعتبارها وحدات منفصلة، وإنما تنظر إلى العلاقات التي تجعل المكان يعمل: السكن، والعمل، والخدمات، والحركة، والطاقة، والمياه، والاتصالات، والاقتصاد، والمعلومات.
والمدفوعات جزء من هذه المنظومة.
لذلك فإن إعادة إعمار السودان لا ينبغي أن تقتصر على إعادة المباني والطرق والمنشآت.
نحن بحاجة أيضاً إلى إعادة بناء البنية التي تجعل هذه المكونات تعمل معاً.
السؤال الذي يجب أن نطرحه
في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال:
كم تطبيقاً مصرفياً لدينا؟
ولا:
كم حساباً مصرفياً فتحنا؟
بل سؤالاً أكثر ارتباطاً بحياة المدينة:
هل يستطيع المواطن، في يوم عادي وفي ظرف استثنائي، أن يصل إلى ماله، ويدفع، ويستلم، ويحوّل، ويسترد حقه عندما تفشل العملية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن لا نبني خدمة مالية أفضل فقط.
نحن نبني مدينة أكثر مرونة وقدرة على العمل.
أما إذا كانت الإجابة لا، فما زالت أمامنا طبقة أساسية من إعادة الإعمار لم تكتمل بعد.
فالمدينة الحديثة لا تُقاس فقط بما شُيّد فيها.
بل بقدرتها على أن تعمل.
م. الصادق عباس نجّار
مهندس معماري | مخطط عمراني
