قرأت بالأمس تصريحاً منسوباً إلى المبعوث الأمريكي للسودان، مسعد بولس ، نقلته قناة «سكاي نيوز»، قال فيه إنه لا يعترف بالحكومة السودانية، وإنه يتعامل معها بسياسة «الأمر الواقع».
مثل هذا التصريح، إن صحّ نقله بهذه الصيغة، لا يمكن أن يمرّ مرور الكرام؛ ليس فقط لأنه صادر عن مسؤول أمريكي معني بالملف السوداني، وإنما لأنه يحمل ـ في نظر كثير من السودانيين ـ قدراً من الوصاية غير المقبولة على دولة وشعب لهما مؤسساتُهما وسيادتهما وقرارهما الوطني.
ومن هنا فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل المطلوب من السودان أن يقبل بأن يتحدث الآخرون باسمه، أو أن يتعاملوا مع حكومته وفق ما يرونه هم مناسباً؟
الاحترام بين الدول لا يقوم على لغة الإملاءات، ولا على افتراض أن المبعوث أو الوسيط يمتلك حق تحديد من يعترف به ومن لا يعترف به. وإذا كانت هناك خلافات سياسية أو مواقف دولية من الحكومة السودانية، فإن الطريق الطبيعي للتعبير عنها هو القنوات الدبلوماسية المعروفة، بعيداً عن العبارات التي يمكن أن تُفهم باعتبارها انتقاصاً من سيادة الدولة.
وعلى وزارة الخارجية السودانية، أن تتعامل مع مثل هذه التصريحات بجدية، وأن تطلب توضيحاً رسمياً بشأن ما نُسب إلى المبعوث، وأن يكون الرد الدبلوماسي واضحاً وحازماً: السودان دولة ذات سيادة، وله مؤسساته، وشعبه هو صاحب الحق في تقرير مستقبله.
كما آن الأوان لإعادة النظر في الطريقة التي يتعامل بها السودان مع ظاهرة المبعوثين والوسطاء الدوليين. فالدعم الدولي أو الوساطة لا ينبغي أن يتحولا إلى وصاية، والحرص على مساعدة السودان لا يمنح أي طرف حق التعامل مع السودانيين وكأنهم بحاجة إلى أوصياء على بلدهم.
ونحن لا نرفض الحوار مع العالم، بل نريده حواراً قائماً على الندية والاحترام المتبادل، لا على لغة فوقية يشعر معها المواطن السوداني بأن الآخرين يتحدثون عن بلاده وكأنهم أصحاب القرار فيها.
أما المدعو مسعد بولس ، الذي يتولى ملفاً شديد التعقيد يتعلق بالسودان، فإن معرفته العميقة بتاريخ السودان ومجتمعه وتعقيداته السياسية والاجتماعية تظل أمراً مهماً لفهم هذا البلد قبل إطلاق التصريحات أو تبني المواقف.
فالسودان ليس مجرد ملف على طاولة مبعوث، ولا مجرد أزمة سياسية تُدار من الخارج؛ إنه وطن له تاريخ وشعب وتجارب، وأي مقاربة جادة لشأنه تحتاج إلى فهم عميق لطبيعة أهله وتعقيدات واقعه.
ولذلك نقولها بوضوح: كما أن لكم مواقفكم، لنا أيضاً موقفنا؛ وكما لا تعترفون بمن تريدون، فإن الشعب السوداني من حقه أن يرفض لغة الوصاية والإملاء.
نحن أيضاً لا نعترف بالوصاية على السودان
