هل العبور آمن بالفعل؟
تشهد الملاحة الدولية في مضيق هرمز، الذي يعتبر شريان حركة نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، حالة من التجاذب والغموض الجيوسياسي. تتنازع في هذا الممر البحري الإستراتيجي روايتان متناقضتان بين الولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، مما يترك شركات الشحن وتأمين السفن في حالة من الارتياب التحليلي والميداني.
أولاً: الطرح الأمريكي “الممر مؤمّن والعمليات تحت السيطرة”
تستند الرواية الأمريكية والتحالفات المرافقة لها إلى مجموعة من الإجراءات الأمنية والميدانية المباشرة لفرض أمن الملاحة:
عمليات تطهير المسارات الملاحية:
تؤكد واشنطن أن القوات البحرية الأمريكية، بالتنسيق مع حلفاء دوليين، تمكنت من تمشيط وإزالة الألغام البحرية القاعية في ممرات حركة المرور الدولية الرئيسية داخل المضيق لضمان سلامة السفن التجارية.
توفير الحماية والمرافقة العسكرية:
تسعى واشنطن لإنشاء وتأمين مسارات عبور محمية بدعم من القطع البحرية وطائرات الاستطلاع والدفاع الجوي المتطور للحد من أي تهديدات بالاحتجاز أو الاستهداف المباشر.
حرية الملاحة الدولية:
تصرّ الإدارة الأمريكية على أن مضيق هرمز ممر مائي دولي وفق قانون البحار، ولا يحق لأي دولة فرض رسوم عبور أو قيود أحادية الجانب أو إغلاقه أمام حركة التجارة.
ثانياً: الموقف الإيراني “السيادة والسيطرة التشغيلية”
على الجانب الآخر، تبدي طهران موقفاً رافضاً للتأكيدات الأمريكية، مشددة على فرض شروطها وسيادتها الإقليمية.
اشتراط مراعاة السيادة الإيرانية:
تشدد طهران والحرس الثوري الإيراني على أن الملاحة في المضيق لا يمكن أن تكون “آمنة” دون الاعتراف الكامل بالسيادة والمراقبة الإيرانية على هذا الممر الحيوي.
فرض قيود ورسوم ملاحية:
تحاول السلطات الإيرانية فرض قواعد جديدة تتضمن تحصيل رسوم على الخدمات الملاحية والبيئية، مع التهديد بعدم ضمان أمن السفن المتجهة إلى الموانئ التابعة للدول المعادية أو التي تتجاوز التوجيهات الإيرانية.
الاستهداف والوسائل التحذيرية:
تؤكد طهران قدرتها على تعطيل حركة المرور عبر استخدام الألغام البحرية والقوارب السريعة والصواريخ الساحلية أو المسيرات، محذرة من أن الوجود الأمريكي المكثف يزيد من احتمالية المواجهة المباشرة بدلاً من تحقيق الاستقرار.
ثالثاً: التقييم الميداني وواقع الملاحة
بين الادعاءات الأمريكية والنفي الإيراني، تشير معطيات سوق الملاحة والتجارة البحرية إلى الواقع التالي:
أمان “مشروط وخطورة مرتفعة”:
رغم استمرار وتدفق حركة بعض ناقلات النفط عبر مسارات مؤمنة، فإن الخطر الملاحي لم ينته تماماً، وتظل الملاحة عرضة للحوادث والتصعيد المفاجئ.
ارتفاع تكاليف التأمين:
لا تزال شركات التأمين البحري تقوم برفع أقساط مخاطر الحرب (War Risk Premiums) على السفن المتجهة للمنطقة، مما يعكس عدم قناعة القطاع الخاص الكاملة بزوال التهديدات وقناعة السوق بأن المضيق لم يسترجع أمانه الكامل بعد.
حرب الرسائل والضغط الاقتصادي:
يستخدم المضيق ككرت ضغط سياسي واقتصادي في أي مفاوضات أو توترات متصاعدة بين طهران وواشنطن.
الخلاصة:
المضيق ليس آمناً مطلقاً ولا مغلقاً بالكامل. يعتمد الأمان الحالي على قوة الردع والغطاء العسكري الأمريكي من جهة، وعلى مدى تجنب ناقلات النفط للخطوط الحمراء التي تضعها إيران من جهة أخرى. يظل الوضع هشاً وتستمر الملاحة فيه تحت طائلة المخاطر العالية، ما لم يتم التوصل إلى تفاهمات سياسية وأمنية دائمة تشمل كلاً من طهران والقوى الإقليمية وصولاً لسلام يحقق حرية الملاحة الدولية في الممر دون قيد أو شرط.
بقلم / عميد شرطة (حقوقي)
محمد علي عبدالله عبد الدائم
