لقد تعلمنا درساً قاسياً بدمائنا ودماء شهدائنا .. إفتتاحية لمرحلة جديدة خرجت من رحم تجربة ثقيلة، وستظهر في طياتها ما هو أبعد من ظاهرها.
ولعل قول الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان: «لقد تعلمنا درساً قاسياً بدمائنا ودماء شهدائنا»، من أكثر العبارات التي تستحق التوقف عندها، لا لزخرفها البلاغي، وإنما لبساطتها التي تخفي وراءها اعترافاً عميقاً، ووعياً جديداً، ورسالة إلى المستقبل.
فماذا يعني أن تقول الدولة: لقد تعلمنا؟ يعني، ببساطة، أن هناك أشياء لم تعد كما كانت قبل الحرب.
لقد كشف الدم للسودانيين أن الدولة لا تحتمل تعدد مراكز القوة، ولا يمكن أن يستقيم وطن وفيه سلاح خارج مؤسساتها ، أو قوة مسلحة تملك مشروعاً يتجاوز الدولة وسيادتها.
ولذلك، فإن أخطر ما في العبارة ليس كلمة «الدرس»، وإنما السؤال الذي يليها: ماذا سنفعل بما تعلمناه؟
إن الاعتراف، وإن جاء ضمنياً، بأن أخطاءً واختلالاتٍ صاحبت المرحلة السابقة، يمكن أن يكون بداية شجاعة لمراجعة وطنية واسعة ووقفة متأنية أو قل جرد حساب ، ومراجعة لا تبحث عن جلد الذات، وإنما عن بناء دولة أكثر صلابة، ومؤسسات أكثر كفاءة، وقانون لا يعلو عليه شخص ولا جماعة.
وفي هذا المعنى، تبدو عبارة البرهان أقرب إلى بصيرة جاءت بعد عِبَرٍ قاسية وعظة أقسى ؛ فالحرب نزعت كثيراً من الأوهام، وأسقطت حسابات، وكشفت مخاطر كان يمكن أن تبدو قبلها بعيدة.
لكن الاعتراف لا يكتمل إلا بالفعل. فالدرس الحقيقي أن يتحول إلى نهضة وبناء، وتربية وأخلاق، وإصلاح للمؤسسات، وإعادة تعريف للعلاقة بين المواطن والدولة. وأن تكون مرحلة ما بعد الحرب أكثر من مجرد إعادة إعمار للمباني؛ بل إعادة تأسيس للدولة نفسها.
وهنا تكمن البشارة للسودانيين. فإذا انتهت الحرب، فإن المطلوب ألا تعود البلاد إلى النقطة التي بدأت منها، وإنما أن تبدأ من نقطة جديدة: لدولة واحدة، وسلاح واحد، ومؤسسات قوية، واقتصاد منتج، وتعليم يصنع الإنسان، وإدارة تحترم المواطن.
فالانتصار العسكري، مهما كان مُهماً، لا يصبح نصراً كاملاً إلا عندما يتحول إلى سلام دائم، واستقرار، وتنمية، وعدالة، وكرامة للمواطن.
ولعل الرسالة الأوضح في هذه العبارة أن تجربة الحرب جعلت عودة نموذج القوة الموازية للدولة أمراً مرفوضاً؛ فالسودان، إذا أراد أن يعيش، لا بد أن يكون فيه جيش واحد للدولة، وسلطة واحدة، وسيادة واحدة.
لكن الامتحان الأكبر يبدأ بعد الحرب. فلا يكفي ألا يجد التمرد موطئ قدم في السودان؛ ولكن يجب ألا تجد أسباب التمرد نفسها موطئ قدم جديداً.
وهنا تصبح دماء الشهداء أمانة لا ذكرى. فلقد دفع السودان ثمناً باهظاً لكي يتعلم. فلا يجوز أن يدفع الثمن مرة أخرى ليتعلم الدرس نفسه.
وإذا كان الدم قد كتب الدرس، فإن على الدولة أن تكتب الإجابة:
دولة أقوى…
ومجتمع أكثر وعياً…
ووطن أكثر أمناً…
ونهضة تليق بتضحيات الشهداء.
تلك هي البشارة الحقيقية التي يمكن أن تولد من رحم هذه الحرب.
أن يتحول الدم إلى دولة، والألم إلى نهضة، والانتصار إلى بناء.هذه النسخة أقصر بكثير، وأظنها أنسب للنشر الصحفي؛ لأنها تحافظ على الفكرة السياسية والبعد الفلسفي دون الاستطراد.
وأحسب أن البرهان لم يصوغ مادةً لخبرٍ صحفي أو سبق إعلامي، إنما كان يختزل تاريخاً كاملاً من التقديرات الخاطئة ومساحات التقصير في عبارةٍ واحدةٍ عاريةٍ من كل أكسسوارات التجميل اللفظي، عبارة خالية من مواربة التبرير ومغلفة بحرقة المراجعة. ليبدأ الامتحان الحقيقي الآن ..الآن ..
