الإثنين, سبتمبر 7, 2026
الرئيسيةمقالاتشِتاءُ الحُبِّ وعُزلةُ الصَّمت حين يصبح الصبر وطنًا للمرأة السودانية ...

شِتاءُ الحُبِّ وعُزلةُ الصَّمت حين يصبح الصبر وطنًا للمرأة السودانية الكاتبة والإعلامية: عبير نبيل محمد “عنقاء الحروف”

بين أجنحة الحياة، حين كنا نحلم أن يكون الكون ورديًا كحلاوة غزل البنات،
وحين كانت البراءة تتجسد في أرواحنا كمحرابٍ للصلاة،
كنا نظن أن الحياة ستمنحنا ما يكفي من الوقت لنكبر بأحلامنا،
وأن الغد سيأتي محمّلًا بما لم يستطع اليوم أن يمنحه لنا.

كانت أمنياتنا تكبر كل يوم،
ونقول:

غدًا لا يشبه اليوم…
واليوم أوشك على الخلاص.

وكنا نؤجل التعب إلى الغد،
ونضع أحلامنا في آخر الطريق،
ونقول لأنفسنا إن الصبر، مهما طال،
لا بد أن يصل يومًا إلى باب الفرج.

لكن بعض الأيام لا تأتي كما ننتظرها،
وبعض الأمنيات، حين تتأخر كثيرًا،
تتعلم كيف تصمت.

جلست تحسب حبات صبرها،
واحدةً تلو الأخرى،
كأنها تخشى أن تخطئ في عدّها،
والألم يعتصر داخلها بصمتٍ لا يسمعه أحد.

كانت تخبئ في صدرها كمًّا هائلًا من الصعاب،
وتكبر في داخلها الأسئلة دون أن تجد لها جوابًا.

كم مرة قالت في سرها:

إلى متى؟

ثم ابتلعت السؤال،
ومسحت على قلبها،
وأكملت.

لأنها امرأةٌ جعلت من الصبر ميزانًا للخلاص،
ومن الشهامة جدرانًا لبيتها،
ومن الإيمان والدعاء سقفًا لا تسقط تحته روحها.

كانت تعرف أن الستر أمان،
وأن الدعوات التي لا يسمعها الناس
تسمعها السماء.

لذلك لم تنقطع دعواتها.

حتى في أكثر لياليها تعبًا،
كانت ترفع قلبها إلى الله،
كما ترفع الأم يدها فوق رأس طفلها وهي تدعو له.

حملت همَّ أسرتها،
وحملت فوقه أثقال العمر،
كدفترٍ يحمل حروفًا غير حروف الهجاء؛
حروفًا كتبتها الأيام على مهل،
بمداد التعب،
وبأصابع امرأةٍ لم يكن لديها رفاهية أن تنهار.

كانت تحفظ تفاصيل من تحب:

مواعيد الخوف،
لحظات المرض،
احتياجات البيت،
ووجوه الذين ينتظرون منها أن تكون بخير،
حتى حين لم تكن هي بخير.

كانت تحمل الجميع،
ولا أحد يسألها أحيانًا:

ومن يحمل قلبكِ أنتِ؟

وتمضي…

تجر سلاسل الهموم خلفها،
لا لأنها اعتادت الألم،
بل لأنها لم تجد وقتًا كافيًا لتضعه أرضًا.

تمضي كأنها ترسم طريقًا للمارين خلفها،
وتترك على التراب أثرًا لا يراه إلا من يعرف معنى أن تمشي امرأةٌ
وفي قلبها بيتٌ كامل.

كأن خطواتها تقول:

هنا مرّت امرأة…
وهنا كان الصبر.
وهنا حمل قلبٌ ما عجزت الأكتاف عن حمله.

ثم يأتي الطريق…

من مكانٍ إلى مكان،
ومن أرضٍ إلى أرض،
ومن خيمةٍ تعبت من رياح الأحلام،
إلى خيمةٍ أخرى لا تعرف إن كانت ستصبح وطنًا
أم مجرد محطة جديدة للانتظار.

سكن مصيرها المجهول،
مكتوبًا بحبرٍ لا تعرف كيف تقرأه،
ومكبّلًا بغيوم العودة.

العودة إلى أرضٍ تشتم فيها رائحة الحبايب والأهل،
إلى الطرق التي تحفظ وقع خطاها،
إلى البيوت التي كانت تعرف أسماء ساكنيها،
إلى صوتٍ من بعيد يقول لها:

تعالي… لقد طال الغياب.

كانت تشتاق إلى أشياء قد تبدو صغيرة في عيون الآخرين،
لكنها عندها كانت وطنًا كاملًا:

رائحة البيت،
صوت الأهل،
فنجان شاي،
بابٌ تعرفه،
ووجوهٌ لا تحتاج معها إلى أن تشرح من تكون.

لم يكن النزوح خيارًا.

كان عليها أن تنزح وتهاجر،
فالحروب، عندما تطرق أبواب البلاد،
لا تسأل من كان،
ولا من رحل،
ولا من تشرد في دروب الحياة.

لا تسأل المرأة عن أحلامها قبل أن تأخذ منها الطريق،
ولا تسأل الأم إن كانت مستعدة لأن تحمل أطفالها وتغادر،
ولا تمنح القلب وقتًا كافيًا ليودّع المكان.

تأتي الحرب،
فيصبح الرحيل قدرًا،
وتصبح الحقيبة أثقل من ثيابها،
لأنها لا تحمل فيها الملابس وحدها؛
بل تحمل ما استطاعت أن تنقذه من عمرٍ كامل.

وتصبح المسافات طويلة،
ليس لأنها بعيدة فقط،
بل لأن كل خطوةٍ فيها
تُبعدها عن وجهٍ تحبه،
وعن ذاكرةٍ تركتها خلفها.

وكل طعنةٍ في قلبها،
وكل فراقٍ كان في رحلتها،
لم يذهب بعيدًا.

صار نتوءًا يملأ روحها
كلما اشتدت الحياة.

تتعثر به أحيانًا وهي تظن أنها نسيت،
فيعود الوجع من مكانٍ لم تكن تعرف أنه ما زال حيًا.

فبعض الفقد لا يرحل،
بل يغيّر مكانه في القلب.

وبعض الذكريات لا تبكي أمام الناس،
لكنها تستيقظ في الليل،
حين يهدأ كل شيء،
وحين لا يبقى للمرأة إلا قلبها
لتواجه به ما أخفته طوال النهار.

ومع ذلك…

تستيقظ.

تغسل وجهها،
ترتب ما تستطيع ترتيبه،
تنظر إلى من حولها،
وتقول لنفسها:

يجب أن أمضي.

لا لأنها لم تتعب،
بل لأن خلفها من يحتاجها.

لا لأنها لم تنكسر،
بل لأنها تعلم أن هناك أرواحًا صغيرة
تتعلم منها كيف يكون الوقوف.

وهكذا تمضي المرأة السودانية…

تحمل خوفها بيد،
وأملها باليد الأخرى،
وتخبئ دمعتها في مكانٍ لا يراه أحد.

تضحك أحيانًا كي لا يخاف الذين حولها،
وتصمت أحيانًا كي لا يفيض الكلام بما عجز القلب عن احتماله.

إنها ليست قصة امرأة.

إنها حكاية نساء السودان.

حكاية امرأةٍ تركت بيتها،
وامرأةٍ انتظرت زوجًا أو ابنًا أو أخًا،
وامرأةٍ حملت أطفالها ومضت،
وامرأةٍ دفنت أحلامها مؤقتًا
حتى تجد لها أرضًا أكثر أمانًا.

حكاية أمهاتٍ أخفين خوفهن
حتى لا يخاف أبناؤهن.

حكاية نساءٍ لم يكنّ يبحثن عن بطولة،
لكن الحياة وضعت البطولة على أكتافهن،
وأجبرتهن على أن يكنّ أقوى مما أردن.

لهن أقول:

لا تعتذري عن تعبكِ.

لا تخجلي من دمعتكِ.

ولا تظني أن الأيام التي أرهقتكِ
قد سلبتكِ قيمتكِ.

أنتِ لم تكوني ضعيفة لأنكِ بكيتِ،
ولم تكوني أقل قوة لأن قلبكِ تعب.

أنتِ امرأة.

والمرأة ليست حجرًا لا يتألم،
بل روحٌ تشعر،
وقلبٌ يحب،
وإنسانةٌ من حقها أن تتعب،
ثم تجد من يقول لها:

أنا أراكِ.

أراكِ وأنتِ تحملين ما لا يراه الآخرون.

أراكِ وأنتِ تبتسمين وفي قلبكِ ألف سؤال.

أراكِ وأنتِ تمشين،
وخلف خطواتكِ حكاياتٌ كاملة
لا يعرفها أحد.

فإن مررتِ يومًا بخيمةٍ على أطراف الطريق،
فلا تنظري إليها كقطعة قماشٍ تعصف بها الرياح.

ربما خلفها امرأةٌ
وضعت عمرها كله في دعاء.

وربما هناك أمٌّ
تحاول أن تصنع من القليل حياة.

وربما هناك طفلةٌ
تتعلم للمرة الأولى
أن الوطن ليس مكانًا فقط،
بل حضنًا نفتقده حين يغيب.


لذلك…

قفي بفخر.

ارفعي رأسكِ.

فأنتِ بنت العز.

أنتِ ابنة هذه الأرض التي كلما أثقلتها الأيام،
أنجبت من رحمها امرأةً جديدة
تعرف كيف تبدأ من الرماد.

أنتِ المرأة السودانية…

التي لم تكن يومًا مجرد شاهدة على الحكاية،
بل كانت، في كثير من الأحيان،
من حملت الحكاية ومشت بها.

وحين يكتب التاريخ عن وطنٍ عبرته العواصف،
لا تنسوا أن تكتبوا في الهامش الذي يليق بها:

كانت هناك امرأة…
تعبت،
وبكت،
وصمتت،
وحملت،
وصبرت،
ثم وقفت.

وكان في وقوفها…

وطن.

وفي شتاء الحب،
حين طال الصمت،
وصارت المسافات أبرد من الغياب،
لم تجد المرأة السودانية وطنًا تتكئ عليه
إلا ذلك الوطن الذي حملته في قلبها.

فصار صبرها بيتًا،
وصمتها صلاةً،
وحنينها طريقًا إلى الغد.

وحين ظن الجميع أن الرماد هو آخر الحكاية،
كانت هي تفتش بينه عن جمرةٍ صغيرة،
تنفخ فيها من روحها،
وتقول:

ما دام في القلب نبضٌ…
فثمة وطنٌ لم يمت.

أنتِ بنت العز…

أنتِ السودان.

وهنا تنهض عنقاء الحروف…

امرأةٌ من حبر النار،
كلما أحرقها الوجع،
كتبت من رماده نورًا،
ومن صمتها وطنًا،
ومن حروفها جناحين.

╭─────── ❈ ───────╮

هنا توقّع عنقاء الحروف…

من رمادِ الحكايات أُبقي أثرًا،
ومن صمتِ الوجع أستخرج حرفًا،
ومن الحروف أتركُ جناحًا
لا يُشبه إلا أنا.

— عنقاء الحروف —

╰─────── ❈ ───────╯

╭─────── ❈ ───────╮

عنقاء الحروف

أكتبُ ما يعجزُ الصمتُ عن قوله.

╰─────── ❈ ───────╯
✍️….. عبير نبيل محمد

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات