في 24 أغسطس 2026 أصدر بنك السودان المركزي المنشور رقم (16/2026)، في خطوة مهمة تتعلق بسوق النقد الأجنبي وسعر صرف الجنيه السوداني. ويأتي القرار في اتجاه إعطاء المصارف مرونة أكبر في تحديد أسعار العملات الأجنبية وفقاً للعرض والطلب، بدلاً من الاعتماد على سعر رسمي تحدده السلطات بصورة منفصلة عن حركة السوق.
من حيث المبدأ الاقتصادي، فإن الاتجاه نحو سعر صرف أكثر مرونة ليس قراراً خاطئاً. بل إن استمرار وجود سعر رسمي بعيد عن السعر الذي يعكس واقع السوق يمكن أن يخلق مشكلات أكبر للاقتصاد. فكلما اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، زادت المضاربة، وضعفت قدرة الجهاز المصرفي على جذب العملات الأجنبية، وأصبح المصدر والمغترب والمستورد يبحث كل منهم عن السعر الأفضل خارج القنوات الرسمية.
لكن صحة مبدأ تحرير سعر الصرف لا تعني بالضرورة أن توقيت القرار مناسب أو أن الاقتصاد جاهز لتحمل نتائجه.
وهنا يأتي السؤال الأهم: هل السودان، في ظروف الحرب الحالية، يمتلك المقومات التي تسمح بتحرير سعر الصرف دون أن يؤدي ذلك إلى مزيد من انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار؟
الإجابة تحتاج إلى النظر إلى الاقتصاد السوداني كما هو، وليس كما نريده أن يكون.
السودان يخوض حرباً منذ أبريل 2023، وقد أدت الحرب إلى تعطيل قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتضررت المصانع والمزارع والبنية التحتية، واضطرب النقل والطاقة والتجارة والخدمات المصرفية. والنتيجة الطبيعية لذلك هي انخفاض الإنتاج وتراجع الصادرات وضعف تدفقات النقد الأجنبي.
وهنا توجد حقيقة اقتصادية بسيطة يجب ألا تغيب عن النقاش: تحرير سعر الصرف لا يخلق الدولار.
إذا كان الاقتصاد لا يحصل على ما يكفي من العملات الأجنبية من الصادرات والتحويلات والاستثمارات وغيرها، فإن ترك سعر الصرف للعرض والطلب سيؤدي غالباً إلى ارتفاع سعر الدولار حتى يتراجع الطلب أو يظهر عرض جديد من العملات الأجنبية.
وبالتالي، فإن انخفاض قيمة الجنيه بعد تحرير سعر الصرف ليس بالضرورة دليلاً على فشل القرار. فقد يكون جزءاً من تصحيح سعر كان في السابق بعيداً عن الواقع.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول انخفاض الجنيه إلى موجة مستمرة من التضخم.
السودان يعتمد على الاستيراد في عدد كبير من السلع ومدخلات الإنتاج. فالوقود والأدوية والآلات وقطع الغيار والمدخلات الزراعية والصناعية تتأثر بسعر الدولار. وعندما يرتفع الدولار، ترتفع تكلفة الاستيراد، ثم تنتقل الزيادة إلى النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات.
وفي النهاية يدفع المواطن الثمن من دخله ومدخراته.
ولهذا فإن تحرير سعر الصرف في اقتصاد يعاني من ضعف الإنتاج وشح العملات الأجنبية يمكن أن يؤدي في المدى القصير إلى ضغط قوي على المستوى المعيشي.
لكن هل كان البديل، وهو استمرار السعر الرسمي، أفضل؟
أيضاً لا.
السعر الرسمي الذي لا يعكس السوق يخلق فجوة بين المصارف والسوق الموازي. وهذه الفجوة تخلق حافزاً للمضاربة وتدفع جزءاً من العملات الأجنبية بعيداً عن الجهاز المصرفي.
المصدر الذي يستطيع الحصول على سعر أفضل خارج النظام المصرفي لن يكون لديه حافز قوي لإعادة حصيلة صادراته عبر المصرف.
والمغترب الذي يحصل على قيمة أعلى لتحويل أمواله خارج الجهاز المصرفي قد يفضل القنوات غير الرسمية.
والمستورد الذي لا يجد الدولار في المصرف بالسعر المناسب سيلجأ إلى السوق الموازي.
وهكذا تصبح السوق الموازية أقوى، ويصبح الجهاز المصرفي أضعف.
ومن هنا تأتي إحدى أهم فوائد القرار الجديد. فإذا أصبحت المصارف قادرة على تقديم أسعار أقرب إلى السوق، فقد تتحسن حوافز المصدرين والمغتربين لإدخال العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية.
وهذا يمكن أن يزيد المعروض من الدولار داخل الجهاز المصرفي ويساعد على استقرار السوق مع الوقت.
لكن ذلك يتوقف على شرط أساسي: أن يكون هناك إنتاج حقيقي يولد عملة أجنبية.
وهنا نصل إلى القضية الأهم في الاقتصاد السوداني، وهي الإنتاجية.
كثيراً ما نتحدث عن ضرورة زيادة الإنتاج، وهذا صحيح، لكن زيادة الإنتاج وحدها لا تكفي.
السودان يحتاج أيضاً إلى زيادة الإنتاجية.
والإنتاجية تعني ببساطة أن ننتج كمية أكبر وبجودة أفضل وتكلفة أقل باستخدام الموارد نفسها أو موارد أقل.
في الزراعة، لا يكفي أن نزرع مساحات أكبر. المطلوب أن يرتفع إنتاج الفدان، وأن تتحسن نوعية المحاصيل، وأن ينخفض الفاقد، وأن تتحسن وسائل الري والتخزين والنقل والتسويق.
وفي الصناعة، لا يكفي إعادة تشغيل المصانع. المطلوب رفع كفاءة التشغيل، وتقليل تكلفة الطاقة، وتحسين التكنولوجيا، وزيادة إنتاج العامل، وتقليل الهدر.
وفي الثروة الحيوانية، لا يكفي زيادة عدد الحيوانات. المطلوب زيادة الإنتاجية الحيوانية، وتحسين الرعاية البيطرية، والتغذية، والتصنيع، والتخزين، والتعبئة، حتى يحصل السودان على قيمة أكبر من موارده.
وفي الذهب، لا يكفي استخراج الذهب. المطلوب تنظيم القطاع وزيادة الإنتاج الرسمي وضمان وصول حصائل الصادرات إلى النظام المصرفي.
هذه هي النقطة التي يجب أن تكون واضحة في أي نقاش حول سعر الصرف.
الجنيه لا يستمد قوته من قرار البنك المركزي وحده، وإنما من قوة الاقتصاد الذي يقف خلفه.
عندما ينتج السودان أكثر، ويصدر أكثر، ويقلل تكلفة إنتاجه، ويضيف قيمة أكبر إلى موارده، فإنه يحصل على عملات أجنبية أكثر.
وعندما تزيد العملات الأجنبية، يقل الضغط على الجنيه.
ولهذا فإن استقرار سعر الصرف على المدى الطويل يبدأ من المزرعة والمصنع والمنجم، وليس من سوق العملات فقط.
ومن أهم مشاكل الاقتصاد السوداني أن جزءاً كبيراً من موارده يخرج في صورة مواد خام، بينما يتم تحقيق القيمة المضافة في دول أخرى.
إذا تم تصدير محصول زراعي خام، فإن العائد يكون أقل مما يمكن تحقيقه إذا تمت معالجته وتصنيعه.
وإذا تم تصدير الحيوان حياً فقط، فإن السودان يفقد جزءاً كبيراً من القيمة التي يمكن تحقيقها من صناعة اللحوم والجلود والألبان.
لذلك فإن رفع الإنتاجية وزيادة القيمة المضافة يمكن أن يكونا أهم من مجرد زيادة حجم الصادرات.
كما أن انخفاض قيمة الجنيه لا يعني تلقائياً أن الصادرات ستزداد.
نعم، انخفاض العملة يجعل بعض المنتجات المحلية أكثر تنافسية في الخارج، لكن المنتج السوداني يحتاج أولاً إلى أن يكون قادراً على الإنتاج.
إذا لم تتوفر الكهرباء والوقود والتمويل والمدخلات ووسائل النقل، فلن يستطيع المنتج الاستفادة من انخفاض قيمة الجنيه.
بل قد يحدث العكس، لأن ارتفاع سعر الدولار سيرفع تكلفة المدخلات المستوردة، وبالتالي قد ترتفع تكلفة الإنتاج نفسها.
ولهذا فإن تحرير سعر الصرف يحتاج إلى سياسة إنتاج واضحة.
السودان يحتاج إلى إعادة تشغيل المصانع، وتوفير التمويل، ودعم الزراعة، وتحسين البنية التحتية، وتقليل تكلفة الطاقة والنقل، وتشجيع الاستثمار، ورفع كفاءة العامل والمنتج.
وهنا يأتي دور الاستثمار في الإنتاجية.
فالإنتاجية لا تأتي من زيادة ساعات العمل فقط، وإنما من التكنولوجيا والإدارة والتدريب والمعدات والبنية التحتية.
وكل جنيه يتم استثماره في رفع إنتاجية الفدان أو المصنع أو العامل يمكن أن ينعكس في النهاية على قدرة السودان على المنافسة وزيادة الصادرات.
وهذا مهم جداً في مرحلة ما بعد الحرب.
فالسودان لا ينبغي أن يعود فقط إلى مستوى الإنتاج الذي كان موجوداً قبل الحرب، وإنما يجب أن يستهدف اقتصاداً أكثر كفاءة وإنتاجية.
أما الجانب الآخر من المشكلة فهو المالية العامة.
لا يمكن أن يستقر الجنيه إذا ظلت الحكومة تعاني من عجز كبير وتموله بطريقة تؤدي إلى زيادة السيولة دون زيادة مقابلة في الإنتاج.
زيادة النقود في الاقتصاد دون زيادة الإنتاج تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وتزيد الطلب على الدولار، وتضغط على الجنيه.
ولهذا فإن إصلاح سعر الصرف يجب أن يصاحبه ضبط للإنفاق العام وتحسين الإيرادات وتقليل التمويل التضخمي.
كما أن نجاح السياسة الجديدة يحتاج إلى جهاز مصرفي قوي.
إذا كان المواطن أو المصدر أو المغترب لا يجد خدمة مصرفية جيدة، أو لا يستطيع الحصول على النقد الأجنبي بسهولة، فسوف تستمر السوق الموازية مهما تغيرت القوانين.
لذلك يجب أن يكون إصلاح المصارف جزءاً من إصلاح سوق الصرف.
كما أن السودان يحتاج إلى استعادة علاقاته المصرفية الخارجية وتسهيل التحويلات وتمويل التجارة، لأن توفر الدولار داخل النظام المصرفي لا يعتمد فقط على سياسة بنك السودان، وإنما على قدرة الاقتصاد كله على جذب النقد الأجنبي.
أما الذهب وتحويلات السودانيين بالخارج، فهما يمثلان مصدرين مهمين للنقد الأجنبي.
لكن جذب هذه الموارد إلى الجهاز المصرفي يحتاج إلى سعر صرف عادل، وإجراءات بسيطة، وثقة في النظام المصرفي.
إذا كانت القنوات الرسمية أكثر جاذبية من السوق الموازي، فسوف تزيد الموارد التي تدخل إلى الجهاز المصرفي.
أما إذا ظل الفرق كبيراً، فستستمر السوق الموازية في جذب هذه الموارد.
ولهذا فإن نجاح منشور بنك السودان المركزي رقم (16/2026) لن يقاس فقط بسعر الدولار بعد صدور القرار.
قد يرتفع الدولار في البداية، وهذا أمر يمكن أن يحدث عندما ينتقل السعر الرسمي إلى مستوى أقرب إلى واقع السوق.
المهم هو ما يحدث بعد ذلك.
هل ستزداد حصائل الصادرات التي تدخل المصارف؟
هل ستزداد تحويلات المغتربين عبر النظام المصرفي؟
هل ستقل الفجوة بين السعر المصرفي والسوق الموازي؟
هل ستتحسن قدرة المصارف على تمويل التجارة؟
هل ستزداد الصادرات؟
هل سيبدأ الإنتاج في التعافي؟
والأهم: هل ستتحسن الإنتاجية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن التحرير يمكن أن يكون بداية إصلاح حقيقي.
أما إذا ظل الإنتاج ضعيفاً، والإنتاجية منخفضة، والصادرات محدودة، والنقد الأجنبي شحيحاً، فإن تحرير السعر قد يؤدي فقط إلى كشف ضعف الاقتصاد بدلاً من علاج أسبابه.
وهنا لا بد من التفريق بين تحرير سعر الصرف وتحرير الاقتصاد.
تحرير سعر الصرف يعني أن السوق يلعب دوراً أكبر في تحديد قيمة العملة.
أما تحرير الاقتصاد فيعني خلق الظروف التي تسمح للقطاع الزراعي والصناعي والتجاري والخدمي بالعمل والإنتاج والمنافسة والاستثمار.
والسودان يحتاج إلى الاثنين، لكن الثاني هو الذي يحدد نجاح الأول.
من هذه الزاوية، يمكن القول إن اتجاه بنك السودان نحو سعر صرف أكثر مرونة له مبررات اقتصادية قوية، خاصة إذا كان الهدف هو تقليل التشوهات وتضييق الفجوة مع السوق الموازي وإعادة العملات الأجنبية إلى الجهاز المصرفي.
لكن المخاطر في الظروف الحالية كبيرة، لأن القرار يأتي في اقتصاد يعاني من الحرب وضعف الإنتاج وشح النقد الأجنبي وارتفاع التضخم.
ولذلك فإن السؤال ليس هل تحرير سعر الصرف صحيح أم خطأ.
السؤال الأهم هو: هل تم تحرير سعر الصرف ضمن برنامج اقتصادي متكامل، أم أنه مجرد تغيير في طريقة تحديد سعر الدولار؟
إذا كان التحرير جزءاً من برنامج لإعادة الإنتاج، وزيادة الإنتاجية، وتحسين الصادرات، وإصلاح المالية العامة، وإعادة بناء الجهاز المصرفي، وتنظيم سوق الذهب، وجذب تحويلات السودانيين والاستثمارات، فإن القرار يمكن أن يكون خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.
أما إذا تم تحرير السعر بينما بقيت عجلة الإنتاج شبه متوقفة، فقد نصل إلى سعر صرف أكثر حرية، ولكن إلى اقتصاد أكثر فقراً وتضخماً.
السودان يحتاج في المرحلة القادمة إلى التركيز على الإنتاجية بقدر التركيز على سعر الصرف.
فالمشكلة ليست فقط كم ينتج السودان، وإنما كم ينتج من كل فدان، وكم ينتج كل مصنع، وكم ينتج العامل، وكم قيمة مضافة يحققها الاقتصاد من كل طن يصدره.
كلما ارتفعت الإنتاجية، انخفضت تكلفة الإنتاج، وزادت القدرة على المنافسة، وارتفعت الصادرات، وزاد تدفق النقد الأجنبي.
وعندها يصبح استقرار الجنيه نتيجة طبيعية لتحسن الاقتصاد، وليس مجرد نتيجة لتدخل إداري في سوق العملات.
في النهاية، فإن منشور بنك السودان المركزي رقم (16/2026) يمكن النظر إليه باعتباره خطوة في اتجاه إصلاح مهم، لكنه ليس حلاً منفرداً لمشكلة الجنيه.
قوة الجنيه لا تبدأ من الدولار، وإنما تبدأ من الإنتاج.
والإنتاج لا يكفي وحده، وإنما يجب أن يكون إنتاجاً أكثر كفاءة وإنتاجية وقيمة مضافة.
السودان يمتلك الأرض والموارد والذهب والثروة الحيوانية والموارد الزراعية والبشرية، لكنه يحتاج إلى تحويل هذه الموارد إلى اقتصاد منتج وقادر على المنافسة.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الدولة بعد تحرير سعر الصرف هو إعادة بناء الاقتصاد الحقيقي.
يمكن للبنك المركزي أن يحرر سعر الصرف، لكن الإنتاجية هي التي ستحدد في النهاية قيمة الجنيه.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تكون في قلب السياسة الاقتصادية السودانية خلال المرحلة القادمة.
تحليل: أبوعبيده أحمد سعيد saeed.abuobida5@gmail.com
