الثلاثاء, سبتمبر 1, 2026
الرئيسيةمقالاتدفاتر الحوار السوداني.. هل نتعلم من التاريخ؟ ...

دفاتر الحوار السوداني.. هل نتعلم من التاريخ؟ بقلم/ إسماعيل شريف

منذ الاستقلال، لم يكن الحوار في السودان حدثًا استثنائيًا، بل آلية متكررة كلما استعصت الأزمة على الحل السياسي أو العسكري. من مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965، إلى اتفاقية أديس أبابا 1972، مرورًا بمبادرة الميرغني–قرنق واتفاق القصر في 1988–1989، ثم اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا 2005، وصولًا إلى الحوار الوطني 2016، ظل السودان يعود إلى طاولة الحوار كلما عجزت البندقية أو السياسة عن إنتاج تسوية مستقرة.

لكن قراءة هذه الدفاتر تكشف مفارقة مؤلمة، هل نجح السودانيون في إنتاج اتفاقات ومخرجات أكثر مما نجحوا في حمايتها وتنفيذها.

المائدة المستديرة عام 1965 انتهت دون اتفاق حاسم، فيما أنتجت أديس أبابا 1972 تسوية أوقفت حرب الجنوب ومنحت الإقليم حكمًا ذاتيًا، لكنها انهارت بعد نحو عقد عندما جرى تقويض ترتيباتها السياسية والدستورية.

وفي 1988 جاءت مبادرة الميرغني–قرنق حاملة أفكارًا متقدمة من بينها وقف الحرب، وتجميد القوانين المختلف عليها، والتمهيد لمؤتمر دستوري قومي. ثم جاء اتفاق القصر 1989 ليؤكد الحل السلمي وقيام المؤتمر الدستوري، لكن انقلاب 30 يونيو قطع الطريق على المسار قبل أن يتحول إلى تسوية وطنية.

أما نيفاشا 2005 فقد أنهت حربًا طويلة وأقامت ترتيبات سياسية ودستورية مهمة، لكنها لم تستطع معالجة جذور أزمة الدولة السودانية بصورة نهائية؛ وانتهى المسار بانفصال الجنوب، بينما بقيت أزمات المركز والأطراف قائمة.

ثم جاء الحوار الوطني 2016 بصورة أكثر شمولًا، وأنتج 994 توصية، أُجيزت 981 منها بالإجماع. تضمنت المخرجات إصلاح الحكم، وتوسيع الحريات، وإصلاح أجهزة الدولة، واللامركزية، ومحاربة الفساد، ورفض المليشيات خارج القوات النظامية. وأعلن النظام وقتها التزامه بتنفيذها. لكن التجربة أثبتت أن التوقيع على المخرجات لا يعني بالضرورة الالتزام بها. فقد ظلت فجوة التنفيذ أكبر من قدرة الوثائق على إغلاقها، وسقط النظام نفسه بعد أقل من ثلاثة أعوام. وهنا تكمن أهمية الحوار السوداني–السوداني الذي يدعو إليه الفريق أول عبد الفتاح البرهان اليوم.

فالخطوة الجديدة تحمل بعض عناصر القوة اهمها الحديث عن آلية وطنية مستقلة، وضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين، وعدم تدخل الدولة في تحديد الأجندة والمخرجات، وهي نقاط يمكن أن تساعد في بناء الثقة. كما أن إعلان لجنة الحوار في 30 أغسطس أنها تعمل بصورة مستقلة وتبدأ مشاورات مع القوى السياسية والمجتمعية يفتح نافذة إضافية أمام اختبار جدية المسار.

هناك تحديات تواجه الحوار السوداني السوداني أولها أن الحوار يجري والحرب مستمرة؛ وثانيها عمق الاستقطاب وانقسام القوى المدنية والعسكرية؛ وثالثها أزمة الثقة المتراكمة بين الأطراف؛ ورابعها السؤال الأصعب من يشارك ومن يُستبعد؟ فالحوار الذي يتحول إلى منصة لتثبيت موازين القوى القائمة سيفقد صفته الوطنية، كما أن الحوار الذي يتجاهل الجرائم والانتهاكات أو يتجاوز قضية السلاح لن يستطيع بناء سلام مستدام.

والدرس الأهم من دفاتر الحوار السابقة هو أن المشكلة لم تكن دائمًا في غياب الأفكار، بل في غياب الضمانات والآليات التي تجعل تنفيذ الاتفاق التزامًا سياسيًا وقانونيًا لا خيارًا ظرفيًا. لذلك، فإن نجاح الحوار المرتقب لا ينبغي أن يُقاس بعدد المشاركين ولا بحجم الوثيقة الختامية، وإنما بخمسة اختبارات… شمول حقيقي، أجندة متفق عليها، استقلال إدارة الحوار، آلية واضحة لتنفيذ المخرجات، وضمانات تمنع أي طرف من الانقلاب على ما تم الاتفاق عليه.

السودان لا يحتاج إلى حوار جديد يضاف إلى أرشيف الحوارات؛ يحتاج إلى حوار يتعلم من فشل الأرشيف نفسه. فالسؤال هذه المرة ليس هل يستطيع السودانيون أن يتحاوروا؟
لقد أثبت التاريخ أنهم يستطيعون. السؤال الأصعب هل يستطيعون هذه المرة الالتزام بما سيتفقون عليه؟

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات